5 دقائق

    القيم الإسلامية من أجل الأمن المستدام والتضامن والتنمية

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    كان هذا عنوان الدورة الخامسة والأربعين لمؤتمر وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي، الذي عقد في «داكا» عاصمة بنغلاديش من 19-20 شعبان 1439هـ الموافق 5-6 مايو الجاري، وقد كان موفقاً أيما توفيق لاختيار هذا العنوان، ليكون منهج عملِ منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة عضواً؛ وهو العام الذي تتولى رئاسته جمهورية بنغلاديش الشعبية، وهي الدولة الكثيرة العدد القليلة الموارد، الجميلة في الأرض، الصاعدة في التنمية، المتمسكة بالقيم الإسلامية السمحة، فنبع ذلكم العنوان من قيم المجتمع الإسلامي في هذا الشعب الكريم المكافح؛ ليكون منهج عمل الأمة الإسلامية لهذا العام بإشراف منظمته الرائدة.

    إن القيم الإسلامية العظيمة التي جاء بها مَن بُعث ليتمّم مكارم الأخلاق، صلى الله عليه وسلم، وكان على خلق عظيم، وجاء بها الكتاب المبين الذي يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين، جاء لينهَى عن كل رذيلة، ويدعو لكل فضيلة، وجاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، هذه القيم التي جاء بها رسول الإسلام وكتاب الإسلام – القرآن الكريم – لابد أن تكون منهج المسلم في حياته كلها؛ ليعيش بها سعيداً، ويُسعد بها الآخرين.

    إن الإسلام هو دين الحياة الراقية، ودين الحضارة الزاهية، ودين المحبة لله وخلقه، ودين التعايش السليم في هذا الكون، جاء لينير الحياة بالفضائل، كما قالت السيدة عائشة، رضي الله عنها: «لقد جاء الإسلام وفي العرب بِضع وستون خصلة كلها زادها الإسلام شدة، منها قِرى الضيف، وحسن الجوار، والوفاء بالعهد». أقرها فأصبحت إسلامية عالمية، أقرها لتبقى منهجاً إسلامياً يعيش بها المسلمون مع ربهم ومجتمعاتهم، فحفظها المسلمون في سلوكهم قبل أن يحفظوها في عقولهم، فتسامحوا مع جيرانهم من مختلف الديانات، وأجاروهم من الاضطهاد، وقاسموهم العيش، وتعاملوا معهم بمقتضى المواطنة لا بمقتضى الديانة، فظلت كنائسهم وبِيعهم وصوامعهم، فضلاً عن معتقداتهم وعاداتهم، وأكرموا أضيافهم بما يملكون، وآثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة – كما تفعل جمهورية بنغلاديش الآن مع مسلمي الروهينغا – ووفوا بعهودهم فلم يغدروا ولم يخونوا، فإن رأوا من عدوهم نقضاً نابذوهم على سواء، ونشروا العدل بين الناس فلم يظلموا ولم يغلوا ولم يخونوا، ونشروا نور العلم فأضاءت الدنيا بحضارتهم العلمية والشرعية والأدبية.. وهكذا كانوا سباقين لكل هذه القيم التي كانت مفقودة عند غيرهم، إلا ما رحم ربك، واليوم وقد ضعفت هذه القيم في نفوس المسلمين لأسباب ودواعٍ كثيرة؛ منها تأثرهم بالانحلال الخلقي الذي انتشر انتشار النار في الهشيم بسبب الفضائيات والتواصل الحضاري، ومنها ما لقوه من الظلم والاضطهاد من الآخرين، ومنها شح الموارد التي لم تعد تكفي حاجات كثير منهم، ومنها غير ذلك مما هو معروف، وكل ذلك ليس مبرراً لأن يتخلى المسلمون عن قيمهم الإسلامية العظيمة، فإن القيم ينبغي أن تكون ثوابت لا تقبل التغير بتغير الظروف والأحوال؛ لأنها جزء من الإيمان وأحد مكوناته، فقد ربط النبي، صلى الله عليه وسلم، الإيمان بالقيم الأخلاقية كالكرم والصدق والوفاء بالعهد وحفظ حقوق الجيران ورحمة الصغير وتوقير الكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبر وغيرها، وحيث إنها كذلك، فإنه لا مجال لأن تسام وتشترى، أو أن تتأثر بالعوامل البيئية أو الاجتماعية أو الظروف المعيشية، إلا أن ثباتها في نفوس المسلمين يفتقر إلى مساندة سياسية وسلطانية، فكان هذا التوجه الإسلامي العام من خلال هذا المؤتمر الناجح، لتجعله كل دولة برنامج عملها مع شعبها، فإذا تم ذلك فإن الأمة الإسلامية ستقول بفعلها قبل قولها: إننا أمة سلام ووئام ومحبة وتبادل احترام، فالإرهاب الذي ترموننا به ليس من الإسلام في شيء، فقد يكون من المسلم الذي تخلى عن القيم، ولكنه ليس من الإسلام ولا هو حجة عليه، وعندئذ ستقول للأمم: إننا أمة قيم وعلم ومعرفة، ننشرها لمن رغب فيها، ونعامل بها من أراد التعامل معنا.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

    طباعة