5 دقائق

الأشهر الحُرم وواقع الناس فيها

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

بسم الله الرحمن الرحيم

قدَّر الله تعالى لعباده أشهراً حُرُماً، جعل فيها مزايا وفضائل لا توجد في غيرها، وهي الأشهر التي نوَّه الله تعالى بفضلها في كتابه العزيز بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي أن الله تعالى جعل الزمان في الدنيا يدور على اثني عشر شهراً، أربعة منها محرمة عظيمة التحريم، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ثلاثة سرد وواحد فرد، فلذلك حذّر الله تعالى عباده من ظلم أنفسهم فيها بارتكاب المعاصي فيزداد عذابهم، فإن المعصية تعظم بعظمة المكان أو الزمان.

كان رسول الله، صلى

الله عليه وسلم، إذا

دخل رجب قال: «اللهم

بارك لنا في رجب

وشعبان وبلِّغنا

رمضان».

وقد كانت حرمة هذه الأشهر معلومة عند أهل الجاهلية، توارثوها عن الملة الحنيفية، ملة إبراهيم عليه السلام، فكانوا يعظمونها أشد تعظيم، لاسيما شهر رجب هذا، حتى إنه كان يسمى رجب الأصم، لأن السلاح يصمت فيه، فلا تُسمع له قرقعة، ويقال له رجب مضر، نسبة لقبيلة مضر، لأنها كانت تعظمه أشد من غيرها، حتى إن الرجل ليجد قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يفزعه، ولذلك كانوا إن احتاجوا للقتال فيه احتالوا لأنفسهم فنسأوا تحريمها، أي أخَّروه، ثم قضوا مكانه شهراً آخر، ظناً منهم أن المراد هو تحريم أشهر من السنة لا تحريم شهور بعينها، ولذلك اشتد إنكار الله تعالى عليهم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامَاً وَيُحَرِّمُونَهُ عَامَاً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.

وكان من تعظيمهم له أنهم شغَّبوا كثيراً على المسلمين لما قاتلوا في أول يوم من رجب، وقيل في آخر يوم منه، ظناً منهم أنهم مازالوا في جمادى الآخرة، أو في أول يوم من شعبان، كان ذلك في سرية عبدالله بن جحش إلى بطن نخلة (واد قريب من مكة)، فإنهم لما رأوا عِير قريش أجمعوا أمرهم على أن يحملوا عليهم ويأخذوا ما معهم، لاسترداد بعض حقوقهم، فحملوا عليهم في آخر يوم من رجب، وقتلوا بعضهم، واستاقوا العير، وهي أول غنيمة غنمها المسلمون من أعدائهم قريش، ثم رجعوا.

فلمّا قدموا المدينة، وشاع أنهم قاتلوا في الأشهر الحرم، وعابتهم قريش واليهود بذلك، عنّفهم المسلمون، وقال لهم عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم»، فندموا، فأنزل الله في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، فسُرِّي عنهم.

وقد اختلف أهل العلم في بقاء حرمتها، فذهبت طائفة من السلف إلى بقاء تحريمها، ورجحه بعض المتأخرين، واستدلوا بآية المائدة، والمائدة من آخر ما نزل من القرآن وقد رُوي: «أحلوا حلالها وحرموا حرامها»، وقيل ليس فيها منسوخ، وفي المسند: أن عائشة رضي الله عنه قالت: «هي آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها حرام فحرموه»، وقد روى الإمام أحمد من حديث أبي الزبير عن جابر قال: «لم يكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغزى، فيغزو، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ»، وذكر بعضهم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حاصر الطائف في شوال، فلما دخل ذو القعدة لم يقاتل، بل صابرهم ثم رجع، وكذلك في عمرة الحديبية لم يقاتل، حتى بلغه أن عثمان قُتل، فبايع على القتال، ثم لما بلغه أن ذلك لا حقيقة له كفَّ.

وقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا دخل رجب، قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان».

وكان السلف يقولون: «شهر رجب شهر للزرع، وشعبان شهر السقي للزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع».

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة