5 دقائق

    القيم المشتركة

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    تشترك الإنسانية جمعاء في قِيَم عظيمة تخدم الإنسان أياً كان عِرقُه أو دينه، وتَعُدها من الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان أو المكان، وذلك كالصدق والكرم والإيثار والشجاعة والنجدة والوفاء والحلم والرحمة والمحبة.. في مقابل كراهيتها لأضداد هذه الصفات، لما فيها من أذية للإنسان، وقد جاء الإسلام ليُشيد بهذه القيم ويثبِّتها، كما ثبت في الحديث الصحيح «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وجاء عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: «لقد جاء الإسلام وفي العرب بِضعٌ وستون خصلة، كلها زادها الإسلام شدة، منها قرى الضيف، وحسن الجوار، والوفاء بالعهد»، ومن شواهد ذلك حلفُ الفضول الذي كان يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «شهدت حلفاً في دار ابن جدعان: بني هاشم، وزهرة، وتيم، وأنا فيهم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت، وما أحب أن أخيس به وإن لي حُمْر النَّعَم» وكان محالفتهم على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن لا يدعوا لأحد عند أحد فضلاً إلا أخذوه، وبذلك سمي حلف الفضول.

    فهذا حلف كان في الجاهلية، ولكنه نبعَ من قيم إنسانية اعتبرها الإسلام من أسسه، فلذلك أشاد به المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، وهي دعوة لأمته وغيرها من الأمم أن تستلهم هذا الحدث الإنساني لحماية الإنسان.

    وها هو بحمد الله يتكرر في ذلكم المؤتمر العظيم الذي أقامه منتدى تعزيز السلم بواشنطن، في الفترة من الثاني إلى الرابع من فبراير الماضي، بحضور رئيس المنتدى، معالي الإمام الشيخ عبدالله بن بيه، حفظه الله ووفقه، وأمين عام المنتدى، الدكتور محمد مطر الكعبي، مع مختلف الديانات الإبراهيمية، لتشكيل إطار عالمي ضد التمييز والكراهية والاضطهاد الديني، ووضع «خريطة طريق» لتعايش الأديان سلمياً، فكان حدثاً عظيماً تابعته مئات الملايين عبر وسائل الاتصال الحديثة، بحيث لم يكن حدث مثله عُني بمثل تلك المتابعة الجماهيرية الغفيرة في أصقاع الأرض، وكأن الناس أجمعين يقولون بلسان حالهم: هذا ما ننتظره من رجال الفكر لإصلاح ما أفسدته السياسة حتى يتعايش الناس على وئام وتعاون من أجل العيش المشترك، وكفى بمثل هذه المتابعة ذات الإحصاء الدقيق دعوةً للناس أجمعين أن يدخلوا في هذا الحلف الإنساني، حتى يعيش الإنسان مع أخيه الإنسان على مبدأ التعارف والتآلف والتعاون على مصالح الحياة وخيراتها، ولقد كانت توصيات هذا الحلف الذي سمي بـ«إعلان واشنطن»:

    * الدعوة إلى ضمان حقوق أبناء الأقليات في حرية التعبير والتنقل والعبادة، وحمايتهم من الاضطهاد السياسي والتعذيب، والحق في الحصول على اللجوء السياسي، وعلى الجنسية.

    * إنشاء مؤسسة «حلف الفضول»، تعنى بالاضطلاع بتطوير وتفعيل مبادئ ومقاصد «إعلان واشنطن».

    * إطلاق حملة إنسانية لإطعام مليار جائع على مستوى العالم، خصوصاً ضمن المجتمعات التي تعاني من أثر الحروب والصراعات الدموية. وهي دعوة مفتوحة للغداء على مائدة العائلة الإبراهيمية بمناسبة لمّ شملها، مُوجّهة لكل المعوزين من بني الإنسان، بلا مَيز بينهم بالدين أو العرق أو الوطن، وتبدأ هذه الحملة بمرحلة أولى بتوفير مليون وجبة غداء.

    * تكوين مجلس دولي متعدد الديانات يضم قيادات بارزة من رجال الدين، لدعم الوساطات والمصالحات والتدخل السريع لإطفاء حرائق الحروب والفتن الأهلية، استلهاماً للقيم المشتركة التي عليها تتأسس جهود تعزيز السلم في العالم.

    وكم كانت كلمة أمين عام منظمة «أديان من أجل السلام الدولية» التي قال فيها: «إنه لا يوجد أساس أخلاقي في أي من الأديان الرئيسة لاستبعاد الأفراد من المشاركة في بناء مجتمعاتهم بسبب اختلاف الدين» كم كانت قوية وواضحة وحقيقية!

    نعم هو كذلك، وذلك هو المبدأ الذي عاشت به الأقليات من مختلف الديانات في الدول الإسلامية المتعاقبة من يوم أن قامت دولة الإسلام، وهذا ما تفعله دولتنا المباركة التي يتعايش فيها مختلف الناس والأجناس بتعاون وتآلف وانسجام، لاسيما في ظل الحماية القانونية التي نص عليها قانون مكافحة التمييز والكراهية.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

     

    طباعة