الإمارات اليوم

5 دقائق

نوستالجيا المستقبل

:

رغم القاعدة الذهبية في الحياة التي تقول إن من أهم أسباب السعادة والنجاح عدم الالتفات إلى الخلف أو الماضي، إلا أن ذلك ليس دقيقاً علمياً، فنحن لا نستطيع بناء المستقبل من دون مراجعة الماضي وإعادة النظر فيه.

الماضي جزء مهم جداً من حياتنا اليومية لا نراه سوى من خلال الذاكرة، وهو يشكل قاعدة بيانات لا غنى عنها لاتخاذ قرارات المستقبل، فعندما يريد أحدنا شراء هاتف ذكي جديد فإنه يستعرض تجربته مع الهاتف القديم، لو كان راغباً في شراء النوعية نفسها، أو يسأل شخصاً مجرباً.

لو تخيل شخص شكل زفافه في المستقبل فإنه سيسترجع كل حفلات الزفاف التي حضرها في الماضي. نحن نعلم كيف سيكون يومنا في العمل بشكل عام استناداً إلى ما حدث في اليوم السابق، الذاكرة عموماً هي ما نستند إليه لتخمين المستقبل.

المستقبل القريب يقدر بخمس إلى 10 سنوات مقبلة، أما البعيد فهو 20 إلى 50 سنة، لهذا السبب نجد السؤال الكلاسيكي في كل مقابلة وظيفية: أين ترى نفسك بعد خمسة أو 10 أعوام من اليوم، والإجابة غالباً لا علاقة لها بالزمن، وإنما تكون ذات طابع استراتيجي.

علماء النفس ربطوا أصل السؤال بشيء يسمى «مخطط ثقافة الحياة»، وهو مخطط موجود في كل مجتمع مع تغييرات طفيفة تمليها العادات والتقاليد والتربية. ففي الغرب يقضي المخطط بالذهاب إلى المدرسة ثم الجامعة، والاستقلالية بالخروج من منزل الوالدين، ثم التخرج والوظيفة والزواج وشراء منزل والتقاعد ورؤية الأحفاد، ثم الموت.

في البيئة العربية المخطط يختلف، حيث إن الوالدين يعتنيان بالأبناء حتى التخرج، ولا يخرج الأبناء من منزل الوالدين فور زواجهم، بسبب ما يعرف بالأسرة الممتدة في الثقافة العربية، لكن عموماً الغربي والعربي يعرفان شكل الحياة في المستقبل القريب بسبب هذا المخطط.

القدرة على تخيل المستقبل تعطي البشر ميزة المقدرة على تخطيطه، وبالتالي القدرة على البقاء. لكن تلك القدرة محدودة، لأن الخبرات المتراكمة ومخطط ثقافة الحياة هما كل الأدوات التي يملكها البشر لرسم رؤية المستقبل، وما نعجز عنه حقاً هو توقع غير المتوقع، ولهذا السبب فإننا نتخيل المستقبل بناء على الماضي أو الحاضر أكثر من شكل الحياة فيه عندما يأتي.

كبشر، لدينا تحيز وتفاؤل كبير للمستقبل إلى درجة أن الناس تقول إن ما سيحدث في المستقبل أهم بالنسبة لهويتهم وحياتهم من الماضي، لكن علينا التخفيف من تلك التوقعات بشأن المستقبل، فحتى لو تمكنا من تخيل مستقبلنا بكل تفاصيله، فإن تلك الصورة ليست سوى صور منقحة من الماضي، فالمستقبل فيه مفاجآت وإحباطات أكثر من قدرتنا على التخمين.

على الصعيد نفسه، فإن الناس تقلل من تأثير عملية تغيير الشخصية والشعور والذوق، وحتى التقنية، عبر الزمن، رغم أن الكثير يعلمون أن شخصياتهم تغيرت كثيراً عن الماضي، إلا أنهم يميلون إلى الظن أن شخصياتهم الآن ستبقى كما هي للأبد، وهذا الاعتقاد منتشر بين البشر على نطاق واسع.

ختاماً: فيلم «العودة إلى المستقبل 2» عام 1989، تقع أحداثه عام 2015، تمكن من توقع اختراعَي مكالمات الفيديو والطائرات بلا طيار، لكن شخصياته استخدمت هاتف الشارع العمومي والفاكس!

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .