5 دقائق

    حفظ المال من مقاصد الشريعة الإسلامية

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    من المقاصد الشرعية حفظُ المال وعدم إتلافه وضياعه؛ لأن المال قِوام الحياة، وهو دُولةٌ بين الناس لتُقضى به حاجاتهم، ويتعايشون به، ومع كونه مقصداً إسلامياً فهو جِبلَّة بشرية، فكل إنسان يود أن يكون ذا مال وبنين، كما قال تعالى:

    ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، ولذلك يسعى الإنسان لتحصيله بما يتاح له من وسائل الكسب، وإذا تُرك للمرء سبيلُه فسيسعى لكسبه وتنميته والحفاظ عليه بالحق والباطل، والنافع والضار، فكان لابد من ضبطه بضوابط الشرع، الذي رتب على ذلك ثواباً وعقاباً، فإن لم يوجد فبضوابط القانون والنظام الذي يراعي مصلحة الجماعة ويقدمها على مصلحة الفرد، ورتب على ذلك زواجر رادعة، فإن لم يوجد فبضوابط العقل السَّوي الذي قد يميز الحسن من القبيح، فيحمله على ما يحصل به التعايش السوي، كل ذلك لينتفع الناس بالمال من غير تهارج وتغالب.

    • وضع الإسلام قواعد للتحوّط المالي وحمايته فشرع الكتابة والرهن والضمان والكفالة.

    وقد ابتكر الناس أساليب متعددة لحفظ المال وحمايته من الضياع، فضلاً عن تنميته، وهو الذي يهدف إليه مصطلح «التَّحَوُّط» أي الوقاية والاحتماء من مخاطر ضياع المال، أو حصول تضخم فيه يفقده القيمة الشرائية، وذلك بتبني الإجراءات الكفيلة بتقليل المخاطر إلى الحد الأدنى، مع المحافظة على العائد الاستثماري،

    وهم يريدون بذلك أكثر مما عرفه الفقه الإسلامي قديماً من وسائل حماية المال، وذلك نظراً لتطور صناعة المال، من بنوك وأسواق مال وبورصات وشركات مالية متعددة، وكل نافذة من هذه النوافذ المالية هي باب كبير للكسب أو الخسارة، ما استدعى أن يكون الداخل فيها على حذر شديد، خشية أن يقع فريسة الإفلاس، فابتكروا وسائل تحوُّطِيِّة لعلها تحميه، وذلك كعقود الخيارات والمستقبليات وبيوع المؤشرات، وهي العقود التي تسمح بها بعض النظم الرأسمالية التي تعطي الفرد حرية التكسب بغير ضابط، ولو كان بوحي الشيطان وما يضر أخاه الإنسان، ومثل هذا لا يمكن قبوله في الإسلام، فكانت سبباً للوبال على اقتصاديات الدول ومقدرات الشعوب؛ لأنها لا تُعنى بتنمية حقيقية صناعية أو غيرها، بل تُعنى بمؤشرات رقمية تؤول في الحقيقة إلى سلب الأرصدة لصالح بعض الأفراد، ومثل ذلك يتعين منعه. فكان لابد من وضع ضوابط لحفظ المال من غير إضرار به ولا بالآخرين.

    ومما لا يخفى أن من تلك الإجراءات ما يقبل شرعاً، ومنها ما لا يقبل شرعاً ولا عقلاً ولا وضعاً؛ لما في تلك الأساليب من آثار مدمرة للمال الخاص والعام واقتصاد الدول والشعوب.

    وقد وضع الإسلام قواعد للتحوّط المالي وحمايته فشرع الكتابة والرهن والضمان والكفالة، وأباح العقود التي تثمر تحوطاً مناسباً كبيع السلَم والسلَم الموازي، والاستصناع والاستصناع الموازي، وخيارات البيع – الشرط والعيب والمجلس – وبيع العربون، والتأمين التعاوني، والمضاربة بشرط عدم المخاطرة بالمال، وحث على تنمية المال وعدم كنزه، وعلى تنويع الأصول الاستثمارية، كل ذلك مما لا يكون ذريعة للربا والقمار، ولا باباً لأكل أموال الناس بالباطل.

    وقد عني فقهاء الإسلام بهذا الباب فجدّوا بحثاً فيه لإيجاد تحوُّطٍ حقيقي، يُعنى بحفظ المال، ويحقق التنمية المطلوبة، فكتبوا فيه كثيراً، ومازال في البحث بقية، ستطرح بدبي في إطار منتدى فقه الاقتصاد الإسلامي المزمع انعقاد دورته الثانية الشهر المقبل بعنوان «التحوط في المعاملات المالية الضوابط والأحكام»، بالتعاون مع مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي كان قد بحثه في دورته 21، ولعله يخرج من هذا المنتدى بقرار نافع ينير السبيل للوصول إلى تحوّط حقيقي، ينفع الاقتصاد ويحميه من الانهيار الذي قد يكون التحوط بالمشتقات المالية سبباً رئيساً فيه. وبالله التوفيق.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة