كل جمعة

رمضان اللاجئين السوريين

باسل رفايعة

هذا هو خامسُ رمضان، يحلّ على اللاجئين السوريين، منذُ حوّل بشار الأسد انتفاضتهم السلمية إلى ثورة مسلحة، جلبت إلى بلادهم الشرور والموت والهمج، فأدّى حزب البعث العربي الاشتراكي «رسالته الخالدة» في «أمة واحدة» من القتلى والمشردين، وقاد «الدولة والمجتمع» إلى نكبة لم يشهد تاريخ العرب الحديث مثيلاً لها، إلا عند الجار العراقي، الذي نكبه التاريخ بالشقّ الآخر من البعث، وتنكبت «سوراقيا» كلها بأكاذيبه وهزائمه، وزجّ الشعوب في حقب الإبادة بالسلاح الكيماوي من «حلبجة» إلى «الغوطة»، وبالطائرات، وبالصواريخ، والبراميل المتفجرة، حيثما أوى الناس إلى بيوتهم، واصطفوا في طوابير الخبز، أو حتى خرجوا من صلاة الجمعة.

«رمضانٌ خامسٌ، وكلُّ ما يريده السوري أن تخمدَ النيران في بلاده. لا يبالي بموائد إفطار رمضانية غنية وممتدة، ولا بازدحام الأسواق، وبمسلسلات السهرة، إنه ينتظر أن يعود إلى بيت أو حتى بقايا بيت، فذلك أكرمُ من خيمة، ومن ضيق وازدراء في عين الجار والشقيق».

أكثر من سبعة ملايين سوري شرّدتهم الحرب التي أشعلها بشار الأسد، من أجل أن يبقى وعائلته وطبقته من اللصوص في الحكم. لم يحتمل أولاداً يُخربشون على جدار مدرسة في درعا عام 2011. قتل الأولاد، وهدم المدرسة، وأرسل الدبابات إلى الشوارع، وبدأ القناصون سريعاً في الانتشار في المدن السورية، لقمع أي تظاهرة تطالب بالحرية والكرامة. نجح بشار في سبعة أشهر في تسليح الشارع السوري، واستدعى كل التكفيريين والمتطرفين للمساهمة في تدمير سورية وذبح شعبها، ليترك أطراف بلاده مفتوحة، ليهرب منها السوريون لاجئين ومشردين إلى المخيمات والجوار، وليدخل منها الإرهابيون، ويقيموا عاصمة لخرافة «داعش» في الرقة.

لعل موجة اللجوء السوري الكثيفة والواسعة من أسوأ نتائج جرائم الحرب التي عاشتها البشرية في القرن الحادي والعشرين. الأسوأ أن «المجتمع الدولي» لايزال بعد نحو خمس سنوات منقسماً إزاء الحرب في سورية، وتتزايد مخاوفه من سيطرة الإرهاب مُطلقاً على هذا البلد، بعد انتهاء نظام بشار الأسد، وكل حلّ سياسي ممكن لم يعد بيد أي دولة في الإقليم والعالم. وفي موازاة ذلك، فإن شكوى المنظمات الإنسانية، التابعة للأمم المتحدة، مستمرة من نقص التمويل، وعدم تفهم الدول المانحة للاحتياجات الأساسية لملايين اللاجئين، في الأردن ولبنان وتركيا خصوصاً.

مرّت على المخيمات خمسة شتاءات، ألحقت أضراراً عميقة في البنى التحتية، وما كان منذوراً من مخصصات للغذاء والدواء والإنارة، استهلكته أعمال الصيانة للخيام والمرافق الأساسية فيها. ثمة طفل وُلدَ في المخيم، وبات عمره الآن خمس سنوات، لا يعرف شيئاً عن الحياة خارج الخيام. أتخيّل طفلاً سورياً في مخيم «الزعتري» في الصحراء الأردنية. أتخيّل أنه لا يرى الأفق إلا من ارتفاع سُحب الغبار والحرارة الشديدة، لا يرى العصافير إلا في الكراسات الملونة القادمة من عواصم الإغاثة. تتخيل أمّه بيتها في حمص أو حلب أو درعا، غرفة نومها، أسرّة أطفالها، مطبخها، النباتات التي ماتت في الشرفة. تتخيل البيت قبل أن يدهمه برميل أو صاروخ، وهي هنا في خيمة وسط الرمال، تحيطها أزمات اجتماعية وأخلاقية في تجمعات بشرية مكتظة، والآمال شحيحةٌ مثل الخبز والأمن.

هذا خامس رمضان، المفجعُ في كل هذه الآلام أن اللجوء أصبح «عاراً» على اللاجئين، يحاصرهم التضييق في بلدان الشتات. يزدريهم جيرانهم، ويحمّلونهم تبعات موتهم وعذاباتهم، في ظل إخفاقات دولية وعربية متلاحقة في التخفيف من حدة المصائب التي حلّت باللجوء السوري.

رمضانٌ خامسٌ، وكلُّ ما يريده السوري أن تخمدَ النيران في بلاده. لا يبالي بموائد إفطار رمضانية غنية وممتدة، ولا بازدحام الأسواق، ولا بمسلسلات السهرة. إنه ينتظر أن يعود إلى بيت أو حتى بقايا بيت، فذلك أكرمُ من خيمة، ومن ضيق وازدراء في عين الجار والشقيق.

brafayh@ey.ae

twitter@basilrafayeh

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة