أبواب

وعورة تاريخنا الجمعي

خليل قنديل

يصعب تحقيق المتاح في التكنولوجيا الرقمية، في المجالات التكنولوجية الأخرى، ذلك أنك تستطيع وبعد الانتهاء من كتابة تقريرك الرقمي أن تعاود تعديل فقراته والإضافة إليه، أو حتى شطبه تماماً وإعادة كتابته من جديد، لكنك في المقابل وضمن كتابتك للتقارير الحياتية التي تخصك على الأقل يصعب أن تعاود كتابة التقرير من جديد. وأنا أتحدث هنا عن إمكانية كتابة الحياة من جديد، من دون مراجعة أو تنقيح.

إننا في محاولاتنا المضنية لكتابة تاريخنا الشخصي نكتشف لاحقاً أننا لن نستطيع إعادة كتابة هذا التاريخ من جديد.

إن تاريخنا الذي أعفى نفسه من مقارعتنا لآماد زمنية طويلة ها هو ينهض من سباته الدهري، ويتململ ليقول كلمته المدوية في وجوهنا ويبدأ بعقابه لنا الذي تأخر كثيراً.

إننا وفي محاولاتنا المضنية لكتابة تاريخنا الشخصي نكتشف لاحقاً أننا لن نستطيع إعادة كتابة هذا التاريخ من جديد، ولهذا ترانا ونحن نفكر بإعادة الكتابة من جديد أن الأمر لا يخلو من وعورة إنجازية ورعونة إنشائية.

ولهذا نكتشف لاحقاً أن الحياة التي كنا بصدد تصنيعها أو تخليقها تظل عصية على إعادة خلقها، وأن الكثير من المشكلات والتعلّات يصعب بالفعل إعادة التعامل معها من جديد، ولهذا كثيراً ما تبدو فكرة المراجعة وإعادة البناء من جديد فكرة لا تخلو من الفكاهة والاضطراب المسلكي.

ولهذا نكتشف أن هذا الركام الهائل من الأخطاء الذي تخلفه تجاربنا الحياتية والشخصية يحتاج بالفعل إلى ما يشبه الزلزال المدمر كي نعيد محاولاتنا هذه من جديد، وربما من هنا تأتي فكرة الندم وعضّ الأصابع، والأمر يبدو ممكناً على صعيد التجارب الشخصية، لكن الحالة حينما تتحول إلى فشل جمعي وشعبي أو حتى قومي تصبح الأمم أمام زلزال حقيقي قد يجتثها من جذورها وهو يحرمها المشاركة في صناعة التاريخ.

إن الإخفاقات الشخصية العربية في مجمل التجارب الحياتية تدلّل على فقداننا للبوصلة الحياتية التي كان من الممكن أن تدلنا على صواب المرجعيات الحياتية، لكننا على الأغلب آثرنا فكرة الدلال الجمعي في إعطاء أرواحنا فرصة الإعفاء من التقويم النفسي الجمعي، وتركنا الحبل على الغارب في ما يخص التعلات الرئيسة في صناعة شخصيتنا التاريخية، فنحن تحاشينا وبتعمد بين فكرة السؤال والعمل على جرأة الإجابة في ما يخص العديد من المسائل التي لها علاقة أساسية في بناء تكويناتنا الاجتماعية والتاريخية، وسبل الإفلات من جرأة الأسئلة، وقبلنا بتسويات كسولة وركيكة لكل تجاربنا الحياتية!

والأمر حين يفقد تواصله الفردي ليتشكل في المقام الجمعي والتاريخ فإن الخسائر تبدو أكثر كارثية، ولهذا كان علينا أن نلحظ حالة التورم التي يقيم فيها الحلم العربي وتراكم الطموحات النضالية، وأن يظل كل هذا دون أي فكر إجرائي هو الثمن الباهظ الذي علينا تسديد فواتيره، والعمل في النهاية على معاقبة قوانا الروحية.

ومن يرقب حالنا الجمعي على صعيد تعاملنا مع التاريخ وقطف النتائج سيكتشف دجلنا المُزمن في تعاملنا مع قضايانا الرئيسة. إن تاريخنا الذي أعفى نفسه من مقارعتنا لآماد زمنية طويلة ها هو ينهض من سباته الدهري، ويتململ ليقول كلمته المدوية في وجوهنا ويبدأ بعقابه لنا الذي تأخر كثيراً كي يعطينا درسه الأول في التحضر وجرأة المواجهة في حربنا مع التخلف.

وكان الله في عون أمة أعطت لنفسها الحق في كل هذا الكسل، وكل هذا التريث وبراعة اللعب على كل العصور!

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة