أبواب

صناعة اليأس

علي العامري

ما الذي يحدث في بلادنا، وما جذور هذه الظلامية الإجرامية، ولماذا وصلنا إلى هذا الحال المتلبد بالدم والعتمة، ومن أين خرج كل هذا التطرف الدموي، وهل هو صناعة اليأس أم أنه ثاوٍ في نسيج مجتمعاتنا، كما لو أنه كان في بيات، وماذا يريد المتطرفون الخارجون على كل قوانين الدنيا، وما الحل للخروج من هذا النفق، وهل هناك دين يرتكب معتنقوه هذا الإجرام، ويهندسون تصويره، مثلما تقوم به «داعش» وشبيهاتها.

أعتقد أن الحل للخلاص من الإرهاب والتطرف الدموي، يكمن في المدرسة أولاً، وفي بيت كل واحد منا، وعلينا أن «نغربل» مناهجنا الدراسية من «الزؤان»، كما يكمن الخلاص في اجتثاث الجهل والفقر والظلم.


مشهد حرق الشهيد مزلزل للضمير الإنساني، ولا بد من الرد بقوة من كل العالم، فالخطر «أممي»، ومواجهة التطرف الإجرامي مهمة استراتيجية، وليست ردّ فعل أو إحياءً لمفهوم الثأر.

أسئلة كثيرة تتردد في الشارع العربي، وفي البيوت والمقاهي وفي كل مكان، ثم ما الذي سوف يحدث بعد «محو» قدرات «الدواعش» وتفكيك قوتها العسكرية على الأرض. إلى أين يذهب الفارون من تلك التنظيمات والجماعات والفصائل، وما الشكل الجديد الذي ستتخفى خلفه تلك العصابات المجرمة.

مشهد حرق الشهيد معاذ الكساسبة، كان صدمة للإنسانية جمعاء، وكان المشهد ينطوي على إهانة لكل القيم الإنسانية، ولكل إنسان بغضّ النظر عن دينه وفكره وبلده وثقافته. إن قتل الطيار الأردني وتصويره وبث مقطع الفيديو المروع، يشير إلى أن «داعش» صناعة إجرامية في رداء الدين، وهناك من يديرها ويزودها بالمال والسلاح و«المقولات الجاهزة». وهؤلاء المتطرفون الدمويون يعرفون في قرارة أنفسهم أن لا مستقبل لهم، مهما طالت المرحلة، خصوصاً مع انكشاف مخططاتهم، ووضوح صورة إجرامهم وخطورتهم على البشرية، وليس على بقعة من الأرض فقط، إذ إن التطرف لا تحده هوية أو جغرافيا.

إن مشهد حرق الشهيد الطيار مزلزل للضمير الإنساني، وفي الوقت نفسه يمثل مؤشراً جلياً إلى مدى إجرامية هؤلاء «الدواعش» ومن يدور في فلكهم. وكان لا بد من الرد بقوة وحزم من كل العالم، لأن الخطر «أممي» يطال الجميع على هذا الكوكب، إذ إن مواجهة التطرف الإجرامي مهمة استراتيجية، وليست رد فعل آنياً، وليست إعادة لإحياء مفهوم الثأر و«إشفاء الغليل» أيضاً.

وأعتقد أن الحل للخلاص من الإرهاب والتطرف الدموي، يكمن في المدرسة أولاً، وفي بيت كل واحد منا، كما يكمن في اجتثاث الجهل والفقر والظلم، وإعلاء مفهوم «المواطَنَة» في بلداننا العربية، من دون النظر إلى أي تصنيف آخر. وعلينا أن «نغربل» مناهجنا الدراسية من «الزؤان» الذي تراكم في ثناياها، وأن نربّي أطفالنا على قيم الإخاء الإنساني والانفتاح على الآخر، بجانب العلم، ونبذ «خطاب الكراهية» الذي فتحت له فضائيات تلفزيونية، كل واحدة منها تنطق باسم طائفة أو مذهب أو جماعة، وكل فضائية تشحن الكراهية ضد غيرها، في «حرب» عبر الأقمار الاصطناعية، كما أن فضاء الإنترنت مفتوح لمن هب ودب، وبضغطة زر ترى قنوات ومواقع لترويج الكراهية والشعوذة والخرافات.

وأعتقد أنه آن الأوان، لإعادة الاعتبار للثقافة بمفهومها الإنساني، وتعزيز فاعلية الآداب والفنون في مجتمعاتنا العربية، لتصبح في النسيج المجتمعي وضمن الأولويات، بعدما تجاهلناها طويلاً. إذ تسهم الثقافة في تشكيل الوعي المجتمعي، بانفتاح على العالم، وتعزز القيم الإنسانية والتعايش والتعاون والإخاء بين البشر. خصوصاً أن محو التطرف من الحياة العربية يبدأ بتشكيل وعي مغاير.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة