أبواب

ظاهرة التجزئة الأدبية

خليل قنديل

بعض الظواهرالأدبية تقتحم حياتنا دون سابق إنذار وتمارس حضورها لفترة تاريخية معينة، ثم تبدأ لاحقاً بالانسحاب التدريجي حتى الاختفاء تماماً. ويمكن الجزم بأن بعض الظواهر في تاريخنا الأدبي مارست حضورها المُشع في تجاربنا الأدبية العربية، ومن ثم بدأت بالاختفاء التدريجي هكذا ودونما أية ضجة.

وأول هذه الظواهر ظاهرة تجزئة العمل الأدبي إلى أقسام ومراحل، بحيث كانت الرواية تصدر في أجزاء عدة، وكذلك بعض الأعمال الشعرية لم تسلم من هذا التقسيم. وقد كان مجمل هذه الأعمال يحمل أحياناً عنوان «الأعمال الكاملة».

«في مطلع سبعينات القرن المنصرم بدا كأن العرب هم من اخترعوا الوجودية في الأدب، وبدت فيه الثقافة العربية وكأنها المسؤولة عن مجمل الخراب النفسي الذي عاشه ويعيشه المواطن العربي».

«إن التاريخ قد يأخذ قيلولته في بعض الفترات الزمنية، لكنه لا يتساهل مع حركتنا والقفز من فوقه، وكان الله بالعون بسبب ما تكرر قفزنا عن ظهر تاريخنا تحديداً».

إن المكتبة العربية الأدبية تبدو في بعض مراحلها مكتظة بمثل هذه التقسيمات، وحتى إن بعض الروايات والقصص كانت تنشر تباعاً تحت مثل هذه العناوين، وكان القارئ يحتمل مثل هذا التقطيع القرائي بنوع من الكسل القرائي المحبب.

وكان من السهل على الناشر العربي أن يُذيل المادة الأدبية بكتابة عبارة «انتهت الحلقة الأولى ونحن على موعد مع الحلقة القادمة»، وكان فعل مثل هذا التوريم الأدبي يسمح للمؤلف والناشر بتجزئة أعمال أدبية إلى حلقات وأجزاء كانت تتيح للمؤلف والناشر دفع العمل الأدبي إلى النشر قبل استكمال خلقه الإبداعي.

وكان من الطبيعي وغير المثير أن يتلقى القارئ مثل هذه التداخلات دونما أي إزعاج، فالرواية المترجمة منذ سنوات طويلة كان بإمكانها الانتظار ريثما يتم الوقت الكافي لكتابة أجزائها اللاحقة، وكذلك بعض المؤلفات الشعرية وبعض المطولات الأدبية الأخرى.

وربما يمكن القول إن بعض الأعمال الأدبية تم استكمالها بعد وفاة صاحبها بزمن طويل نسبياً.

والمهم أن مثل هذا التلكؤ في النشر لم يكن له أي تأثير في مكانة المبدع عربياً، وجميعنا في مثل هذا النهج لابد أن يتذكر ثلاثية نجيب محفوظ وأعمال «سارتر» في رواية دروب الحرية، وبعض أعمال حنا مينة، والعديد العديد من بعض الأعمال الشعرية وربما النقدية أيضاً.

ويمكن القول، على الصعيد الشخصي، إن بعض الأعمال الأدبية قمت بتأجيل قراءتها إلى عمري اللاحق هذا. لكن المهم أن ظاهرة تجزئة الأدب هذه اختفت لاحقاً من حياتنا الأدبية والقرائية بهدوء ودونما ضجة تماماً.

لكن كل هذا لم يكن يعني أن مثل هذا المسلك كان له تأثيره المباشر في نهج القراءة للأعمال الإبداعية، ذلك أن بعض الأعمال الأدبية كانت تأخذ رواجها القرائي في أزمان لا تخلو من فعل الموسم القرائي. فالوجودية التي تكاسل حضورها وجدت موسمها القرائي الخصب في الوطن العربي بعد تحطم المشروع الثقافي العربي بعد النكسة، وذلك كنوع معلن من جلد الذات، فبدأ مشروع القراءة الإبداعية العربية ينصب في اتجاهات مماثلة لفعل الانكسارات الجمعية التي يعيشها المواطن العربي.

وتجلى مثل هذا التغير القرائي في مطلع سبعينات القرن المنصرم، حيث بدا وكأن العرب هم من اخترعوا الوجودية في الأدب، وبدت فيه الثقافة العربية وكأنها المسؤولة عن مجمل الخراب النفسي الذي عاشه ويعيشه المواطن العربي.

إن الكسل القرائي العربي الذي كان قد سمح لنا بتقطيع أوصال المادة الأدبية العربية ومضغها على فترات، ها هو ينهض من جديد كي يذكرنا بختلنا القرائي ويرينا خسائرنا الحضارية على مستوى التاريخ عموماً، وربما يدفعنا هذا إلى تسديد فواتيرنا القرائية تاريخياً مثل ما حدث ويحدث في تاريخنا بشكل عام.

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة