أبواب

رمضان

خليل قنديل

كعادته يطل رمضان ليكشط بيده الدهرية هذا الركام الهائل من السنوات ويغسل أرواحنا بحضوره البهي، وهو يجدد حضوره كتقويم يصعب تجاوز ذاكرته الملحة وحفره الأول في الذاكرة. ولعله من اللافت أن البسطاء استطاعوا تاريخياً أن يؤنسنوه بعد أن خلعوا عن وجهه تلك الهمة الزمنية ومنحوه هذه الإقامة المؤبدة في الذاكرة.

وكعادتي حين يتم الإعلان عن أول أيام رمضان وتنطلق الأغنية ذائعة الصيت لمحمد عبدالمطلب «رمضان جانا أهلاً رمضان»، أذهب في رحلة تتأكد ملامحها في اليوم الأول من كل رمضان. ومن ملامح هذا التذكر اليوم الدراسي الذي كان يبدأ بمماحكات الطلبة في الكشف عن الطلبة المفطرين، وذلك بالطلب من كل واحد بأن يبرز لسانه فإن كان اللسان مغطى بطبقة نشاف الريق فإن صاحب اللسان هو صائم بالتأكيد.

أما إذا كان اللسان وردياً ومرحاً فإن هذا يعني أن صاحبنا هو في حالة إفطار دائمة! وبالطبع يتبع ذلك تهكمات طلابية جارحة.

وإضافة إلى ذلك فإن الفصل الدراسي بمقاعده الخشبية وسبورته والطباشير، تبدو جميعها تعاني الحرمان من الطعام ورائحته، وقد كان يؤكد هذا الصوم حضور المعلم الذي تخلى عن عصاه إكراماً لرمضان ورأفة بالتلاميذ.

أما الحارة التي كانت قبل أيام تعج بشيطنة الطلاب فتتحول في الأول إلى حالة صيام تكتنف الجدران وأسطح البيوت وتلك الأزقة النحيلة، وتلقي بظلها على بقال الحي الذي كان يطفح بالحركة وقارعة الأطفال والكبار. وأنا مازلت أتذكر استدراج اليوم حتى يصل إلى صلاة العصر، حيث كنّا جميعاً نذهب إلى ظل المئذنة البسيطة، حيث نقف جميعاً بانتظار صعود مؤذن الحي إلى سطح المسجد، وحينما كانت تنطلق قذيفة المدفع كنّا نتسارع وبجنون نحو بيوتنا.

وفي تلك المساحة الضيقة من فناء المسجد كنّا نرقب الفتيات اللواتي كنّ يزاحمننا على الاستماع للآذان، وكنّا نسمح لأنفسنا بأن نمارس عفة تتناسب مع وقار رمضان. كان هذا يحدث ونحن نراقب «مزيونة» الحي وهي ترقب عفافنا بتقزز عجيب.

وحين ندعم بوابة الدار التي انعتقت من شقاواتنا في اليوم الرمضاني الأول، على الأغلب سوف تتطاير من فوق رؤوسنا ادعية وابتهالات تدعو الى ان يحمي الله صغار العائلة، وان اجسادنا الصغيرة سوف ترتطم باجساد عجائز لنساء العائلة هن يواظبن على هذا الحضور العائلي لاضافة ذاك الطعم النادر الذي تبثه ارواح العجائز في البيت.

وحين نلتف كحبات المسبحة بحميمية حول المائدة المكتظة بطيوب الطعام على الأغلب أن نستسلم بعد هذا إلى النعاس الطفولي الغامر، ونحن نتلقى الوعود الحازمة بالتزام أمنا وإيقاظنا عند السحور كي نمضغ ذاك الطعام الناعس.

تتسع ذاكرة رمضان لترينا بعض الفقراء الذين كانوا يحضرون إلى بيتنا في مطلع الستينات ليحصلوا على الفطرة والزكاة في الموعد المحدد وقبل انتهاء رمضان بأيام، أو حين يقبل على دكان والدي المسحر بملامحه اللحمية المعتمة كي يأخذ فطرة رمضان.

إنه رمضان الذي يوقظ عندي وكلما أطل ذاكرة خصبة وخلاقة تعيدني، على الرغم من سنواتي الـ‬60، طفلاً لا يخلو من الشقاوة!

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

طباعة