أبواب

تفكيك الحواضر العربية

خليل قنديل

يمنحنا التاريخ في بعض تجلياته المفصلية والتحولية، وحتى الانقلابية، قدرة خاصة على التحديق وقوة المشاهدة والبحث عن الأسباب والمسببات التي قادتنا إلى مثل هذه النتائج المريعة في قسوة حدوثها.

ومن يقف على هضبة المشهد العربي يستطيع أن يقرأ تضاريس التدهور في حواضر عربية ظلت بالفعل هي رجع الصدى لتشكيل مظاهر الحضارة العربية الإسلامية. ويبدو أن الخط الممنهج في تحقيق هذا الهدف التفكيكي لم يكن ابن اللحظة التاريخية العابرة، بل تم بتخطيطات كافرة في مطابخ سياسية عالمية ظلت تتسم بالحنكة والدهاء عبر التاريخ الإنساني.

وأنا في هذا المقام أتحدث عن ثلاث حواضر عربية بدأت تتقوض أمامنا بالفعل، وهذه الحواضر هي على مستوى الترتيب الزمني: مصر أولى هذه الحواضر، والتي كانت بثقلها العروبي تنطلق كالشهب في التصدي لكل المؤامرات التي كانت تهدد مصير الدولة العربية الناهضة على يد الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، والتي كان لها ثقلها الإقليمي في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.

والحاضرة الثانية هي العراق التي تعرضت إلى غزو أميركي عام ‬2003، بمساندة دولية تدعو للشبهة بالفعل تحت حجة أسلحة الدمار الشامل التي تهدد المنطقة برمّتها، حيث تم تحويل العراق برمّته إلى كونتونات طائفية، بعد أن تم تفكيك وتسريح الجيش العراقي، ودخول العراق في المراهنات القائمة على المحاصصة والتقسيم، والسماح لإيران الملالي بالتمدد داخل الجغرافيا العراقية، وتحيل دولة العراق، التي تعتبر من أغنى دول العالم، إلى دولة مدينة بكلفة التحرير، وكلفة إعادة إنشاء البنية التحتية، والافتقار حتى إلى الكهرباء.

أما الحاضرة الثالثة فهي دمشق وحضارة أوغاريت التي نهضت بالخلافة الأموية، وقامت بتكثيف الشعور العروبي، وعملت على أن تكون مرجعاً للفقه القومي العربي، وتحويلها على يد النظام إلى قوة قاهرة تقوم بتقويض الدولة السورية، واقتيادها من فكرة الورم القومي البعثي إلى فكرة الدويلة الطائفية الرخوة وحمى التقسيم!

ومن هنا يمكن لنا أن نفهم كيف أن الخطة كانت تقتضي في مصر أن يخلف البراغماتي الرئيس الراحل أنور السادات كي يباغت الأمة العربية والإسلامية بزيارته للقدس وتوقيع معاهدة كامب ديفيد، والنأي بدور مصر عن مواجهة الكيان الصهيوني، ومن ثم تسليم دولة مصر إلى الرئيس حسني مبارك بعد اغتيال السادت، وتحويل دور مصر التاريخي إلى نهج سياسي دون طعم أو لون أو رائحة، ومن ثم قيام ثورة ‬25 يناير التي أطاحت برموز ثورة ‬23 يوليو، وقامت بتنصيب الإسلاميين على سدة الحكم!

ومن هنا أيضاً يمكن لنا أن نفهم كيف تم التغرير بصدام حسين حين أوحت له السفيرة الأميركية بأن الولايات المتحدة لن تعارض احتلاله الكويت، وكان ما كان من تداعيات باحتلال الكويت وغزو بغداد لاحقاً.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم حالة الدم اليومي المتدفق في سورية، والتي تعمل على تحييد الدور العربي السوري وحاضرته دمشق.

والحال أننا نتطلع إلى انقراض ثلاث حواضر عربية أمامنا دون أن نقدر على فعل أي شيء، وتلكم هي الكارثة!

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة