من المجالس

ثرثرة مدفوعة الثمن

عادل محمد الراشد

كل شيء صار بثمن، تلك هي إحدى العلامات الكبرى لزمان صارت فيه الأرقام هي أكثر اللغات شيوعاً وأقوى الألسن فصاحة ووضوحاً. في زمن ليس ببعيد كانت روح التطوع ثقافة سائدة هي أقرب للفطرة، ولذلك ليست ثمة حاجة لشحذها عبر وسائل دعاية ضخمة تكون هي الأخرى بثمن، ولا ثمة دعوة لعزلها في شكل مؤسسات ذات هياكل إدارية ومالية تحتاج الى مخصصات مالية وميزانيات ذات أثمان باهظة.

كان العطاء المجاني سلوكاً عاماً ينسجم مع الطبيعة الإنسانية الباحثة عن الراحة في داخلها، أو الساعية إلى إظهار ملكاتها والتعبير عن مواهبها، لذلك كان الرياضي الموهوب يذهب إلى النادي ملبياً نداء ذاته، وليبرز موهبته ويعبر عن خصوصية قدراته، وبدلاً من أن يضع موهبته في مزادات البيع والشراء ويرهنها لسماسرة الاحتكار باسم الاحتراف، كان يقتطع جزءاً من دخله البسيط ليسدده كرسم اشتراك في النادي. وكان الفنان يدفع من جيبه كي يتمكن من تنظيم معارض يقدم فيها نفسه للجمهور عبر لوحاته، وكان المطرب يبادر بالمشاركة في أفراح الحي قبل أن تصل إليه الدعوة، ويتجشم عناء السفر وربما تحمل قيمة رحلته ليلبي الدعوة في مناسبة وطنية أو حفلة خيرية. وحتى المعلم كان لا يتردد في العودة إلى المدرسة في المساء لتقديم درس تقوية لمن يحتاج إليها من تلاميذه، باحثاً عن الثمن في تغير مستواهم وتاركاً الأجر على الله.

اليوم، وباسم الاحتراف، حتى الثرثرة على الفضائيات وصفحات الجرائد صارت بثمن، بل صار لها سوق تجّارها من المشاهير من أهل السياسة و«الشؤون الاستراتيجية»، والإعلام والفن والرياضة والديكور والموضة، ولم يُستثن الطب من كسب الظهور.. «والله زمان»!

adel.m.alrashed@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة