أبواب

حافظة الودائع وأنصار الهدم

علي العامري

هل يعقل ونحن في القرن الحادي والعشرين أن نسمع ونرى من يدّعي أنه يقوم بعمل حضاري من خلال هدم معالم تاريخية وتراثية وأثرية، بحجة أنها «أوثان»، وأنه بذلك الهدم يقوم بـ«تطهير» الكرة الأرضية من الوثنية.

هل يعقل ونحن في عصر العلم والتقنية الفائقة أن نرى «أنصار الهدم» يهبون بمعاولهم وفؤوسهم ويهدمون معالم ساحرة الجمال وعالية القيمة الثقافية في مدينة تمبكتو التي توصف بأنها «جوهرة الصحراء».

هل يعقل أن نرى تلك الميليشيا تعيث هدماً وتخريباً بمزارات تعتبر تحفاً معمارية، تعبر عن تاريخ أهلها، وتحفظ سيرة من المعرفة، علاوة على كونها معالم من طراز فريد في تلك المنطقة من عالمنا الذي «يترقمن».

حدث ذلك ويحدث، إذ رأينا «ميليشيا الهدم» التي تطلق على نفسها جماعة «أنصار الدين» وهي تهاجم المزارات والقباب والأضرحة والمقامات بالفؤوس والمجارف والأزاميل، ويعملون هدماً فيها، لأنها بنظر تلك الجماعة ما هي إلا أوثان يخشى أن يعبدها الناس. ولكن لم يتساءل هؤلاء، رافعو راية الظلامية أن «الوثن» يقيم في «العقول» لا في المباني، وأن «العتمة» تقيم في «التفكير» لا في الأضرحة، وما ادعاؤهم بـ«تخليص» تمبكتو من المعالم «الوثنية»، وفق تصوراتهم، إلا حرب على الثقافة والتنوع والجمال والخصوصية والتاريخ، وإنهم بفعلتهم تلك إنما يهدمون شواهد تمبكتو التي أسسها الطوارق في القرن الحادي عشر الميلادي، وأخذت اسمها من مهنة امرأة طارقية «تن بكتاوان» وتعني «حافظة الودائع»، حيث كانت تلك المرأة تحفظ أمانات الناس ومؤونتهم في فصل الصيف إلى أن يحين الشتاء.

تمبكتو تضم كنوزاً ثقافية نادرة، من بينها مخطوطات يقدر عددها بنحو مليون مخطوط في مختلف العلوم والمعارف. وعلاوة على ما تعانيه تلك المخطوطات من إهمال وتعرضها لخطر التلف، يأتي «أنصار الهدم» ليهددوا كنوز الهواء الطلق، وهناك مخاوف من حرب جديدة على مخطوطات تمبكتو قد تشنها تلك الجماعة، كما شنت حربها بالمعاول على المعمار الفريد في تلك المدينة الصحراوية.

وبعدما سال دم القباب، بكى أهالي تمبكتو، وقام باحثون وأمناء مكتبات بإخفاء مخطوطات في جدران البيوت وفي الرمال، خشية إحراقها من قبل تلك الجماعة المتطرفة التي لاتزال خارج الوعي وخارج التاريخ أيضاً، وهي تذكر بما ارتكبته «طالبان» بتدمير تماثيل ومعالم تاريخية في جبال باميان في أفغانستان قبل 11 عاماً. ولم يعرف هؤلاء المتطرفون أنه لا يمكن لإنسان القرن الحادي والعشرين أن «يعبد» حجراً أو شجرة أو شمساً. ولي أن أتساءل هل يفكر هؤلاء الظلاميون بهدم الشمس والقمر أيضاً في مراحل لاحقة، خصوصاً أن الإنسان في بداية سيرته على الأرض عبد الشمس والقمر والأصنام، وفي كل الحضارات أساطير تعج بالآلهة من زيوس وبعل وعشتار وفينوس ورع وإيزيس وحورس واللات ومناة وهبل وأفروديت وجوبيتر وديونيسيوس وأبولو وغيرهم، إذ يحتشد تاريخ الأرض بالأساطير التي تعبر عن أزمنتها وأمكنتها، ويمكن قراءتها دلالياً، ضمن تاريخ الفلسفة الإنسانية.

الآن في تمبكتو (حافظة الودائع) توقف الهدم، مؤقتاً، خصوصاً بعد نداءات دول ومنظمات عربية وإسلامية ودولية، منها «يونسكو»، و«أليكسو» و«إيسيسكو»، بوقف هدم المعالم التاريخية، ووصف تلك الأعمال بأنها «جرائم حرب» و«جرائم ضد الإنسانية» و«مأساة»، وغيرها من الأوصاف. لكن هل حقاً ستتوقف معاول هدم النهار.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة