أبواب

التفكير تغيير

قيس الزبيدي

تعرفنا في المكتبة العربية، أساساً، إلى المسرحي والكاتب برتولت بريشت، عن طريق تراجم لدارسين ليبراليين عديدين، قدموه من منطلقات مختلفة، لم تكن قادرة في مجملها على تقديم مسرحه وفكره كما أراد لهما أن يكونا، وكانت معظم دراساتهم تقبل الدرامي فيه وترفض الماركسي، الذي جاءت أهميته من إلباس الماركسية ثياباً مسرحية.

تنتمي مقولة مسرح بريشت الملحمي، وبُعدها الجدلي إلى ما هو اجتماعي وليس إلى ما هو جمالي ـ شكلي. فبريشت موجهاً نقده المبدئي إلى حجر الأساس في نظرية أرسطو «التماهي/ الاندماج»، وجد أولاً أن القواعد المسرحية التراثية، لم تعد تصلح معايير في عرض المتغيرات الجديدة في العالم، فالبترول، الإفلاس، الحرب، التجارة، الصراع الاجتماعي، العائلة، الدين، والقمح أصبحت مواد جديدة في العروض المسرحية. كما وجد ثانياً أن الأسئلة القديمة لم تعد تنفع في البحث عن أجوبة أصيلة، من هنا انصرف فكره إلى الاهتمام بطرح أسئلة راهنية جديدة، تكون أقل قوة من الأسئلة ذات الأجوبة المُعلقة.

وبينما كان الشكل الدرامي يُجسد في المسرحي حدثاً درامياً ويدفع المتفرج إلى الانخراط في الحدث، بدأ الشكل الملحمي يجعل المتفرج مراقباً تُسرَد له حكاية، ولا يُترك ليندمج في الحدث ويتماهى مع شخصياته، إنما يقابله مع الحدث والشخصيات، وبهذا يوقظ المسرح الملحمي ـ الجدلي نشاطه متفرجاً ويدفعه إلى اتخاذ قرارات، ويزوده بمعارف، لكن أيضاً وأساساً يحافظ على المسرح مكاناً للمتعة. فالمسرح يقدم للمتفرج عالمه، والمتعة تأتيه من التعرف إلى إمكانية السيطرة على واقع عالمه وتغييره.

يذهب بارت إلى أن بريشت يبغي تحقيق وعي الجمهور في الصالة كحالة عدم الوعي التي تسود الشخصيات «الدرامية» على المنصة. فالأم كوراج مثلاً تبقى حتى النهاية غير قابلة للتعلم، وتظل لا تدرك شيئاً.

فمن خلال العرض تجري المبالغة بعدم قدرتها على التعلم، إلى حدود اللا احتمال، بحيث يدرك المشاهد عـدم إدراكها ليس بعقله فقط، وإنما بعواطفه أيضاً.

لقد سعى بريشت باستمرار إلى تطوير التغريب من مؤثر فني إلى مبدأ فلسفي، إلى تحويله من حالة تنتج عن تأثير في مبدأ فكري إبداعي يسيـّر كامل العملية الأدبية والفنية ويرسم إنتاج المسرحية من مرحلة التأليف إلي مرحلة التنفيذ، لدرجة يصبح التغريب عنده بنية أساسية في العمل.

بعد مشاركة عرض مسرحية فرقة برلين الأم كوراج وأولادها في باريس في يونيو/ يوليو 1954 احتفى رولان بارت بالمسرح الملحمي وعده تجديداً جذرياً في كل مستويات الفن الدرامي. كذلك عبر عن الاعتقاد بأن علم الجمال والسياسة وجدا في بريشت الثوري وحدتهما، وفي المسرح وظيفته الاجتماعية. ورأى بارت في مسرح بريشت نقطة تحول في الدرامية الغربية، كما رأى في آرائه النظرية إضافة مُلزمة لفن المسرح المعاصر.

وفي ذلك الوقت حصلت حادثة طريفة في لقاء بريشت بيونسكو في المقهى المقابل لمسرح سارة بيرنارد. وكان يونيسكو قد جلب معه جمعاً من أنصاره ومريديه وقال لبريشت: «إني أتهمك لأنك تقتل المشاعر بمسرحك وتمارس إرهاب العقل». واختتم كلامه: «عليك أن تُقلع عن غاياتك، فالعالم لا يمكن فهمه». هز بريشت برأسه يميناً ويساراً وقال له متأملاً: «إذا كان العالم يستعصي على الفهم، فكيف فهمت أنت ذلك؟».

 

alzubaidi0@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة