كل جمعة

دمية ستيف جوبز

باسل رفايعة

سأشتري دمية ستيف جوبز، مؤسس شركة «آبل» فور عرضها في أسواق الإمارات. سأضعها في مكان لائق في بيتي، ولن أحتاج إلى كثير من الشرح، لأقنع ولديّ بأهمية الرجل الذي رحل في أكتوبر الماضي عن 56 عاماً فقط، وخسرته البشرية بفداحة، بينما عاش معمر القذافي نحو 70 عاماً، وخسرت البشرية كثيراً، بسبب عمره الطويل.

ليس جلداً للذات العربية، فيكفيها هوانها وتخلفها وراء الأمم، لكنّ ولديّ ومعظم الأطفال واليافعين العرب يعرفون ستيف جوبز، ويسرهم أن تكون في منازلهم دمىً تجسد أحد عظماء عصرهم على الإطلاق، فهم يستخدمون التقنية التي أنتجتها عبقريته الفذة في الكمبيوترات والبرامج، والأجهزة المعرفية المدهشة، مثل «آي فون» و«آيباد». ومن المهم أن يكون مثل هذا الرجل ملهماً لأي طفل عربي، خصوصاً أننا نفتقر إلى ملهمين لأطفالنا، ولا نريد أن يكون ممثلو أفلام الخيال العلمي والشخصيات الكرتونية أبطالاً لهم، أو هكذا نأمل.

معظم الأطفال والفتيان العرب يعرفون جوبز، وبيل غيتس، المبرمج ومؤسس شركة مايكروسوفت، وأيضاً مارك زوكربيرج، صاحب ومؤسس موقع «فيس بوك»، وهم على صلة مستمرة مع إنجازاتهم التقنية العظيمة، ويلمسون الأثر البالغ لهؤلاء العباقرة في حياتهم، في حين يتعرضون في مناهج التعليم العربية التي لاتزال تدرس الحقبة السلجوقية والمملوكية إلى سلسلة من الشخصيات التاريخية التي يضطرون إلى حفظ ما تيسّر عنها من معلومات، لأغراض النجاح في الامتحان ليس إلا. وثمة شخصيات تاريخية أخرى، يبحث الأطفال عن صلتها بواقعهم، ويقيسون جدواها المباشرة، ولا تفيد أية محاولة لإقناعهم باختلاف الأزمان، أو إغرائهم بأن تلك الشخصيات كانت تجري فيها دماء عربية مثلهم، فالأجيال الجديدة متحررة من المشاعر القومية، ومن التعصب للتاريخ.. وللجغرافيا أيضاً.

هذا ما نجنيه من العولمة، أعني التغيّر الثقافي، والاستجابة السريعة معها، من دون خوف، أو ارتباك، وأرى أن ذلك حصاد ثريّ، وإن كان سينتج أجيالاً ضعيفة الصلة مع تاريخ العرب وتراثهم، فإنه سيصنع، في المقابل، أجيالاً عربية، أكثر قدرة وجاهزية على التكيّف مع المستقبل، وأقلّ تعصباً وشعوراً بضغوط التاريخ.

ميزة العولمة أنها تسمح للأجيال الجديدة برؤية وجوهها المتعددة: الجميلة، والشاحبة، وحتى القبيحة منها، ومن مزاياها أن لا قداسة تحيط بها من أي صوب. وهي قابلة للنقد، مثل أي ثقافة أو فلسفة أو منجز حضاري حقيقي، والأمم التي تقاومها تتخلف وتضطر إلى تقليد نماذجها، مهما تبجحت بأوهام قومية، أو بخصوصيات نائمة في متاحف التاريخ.

من حسن الحظ أن الأجيال الجديدة تدرك ذلك، من دون أي تشويش في الرؤية، وحينما يعتبر فتى عربي أن ستيف جوبز بطله وملهمه، فلا يعني سوى أن رجلاً أميركياً ابتكر «آيباد» فجعل حياته أكثر ذكاء وحيوية وفائدة، وجعله جزءاً من العالم، وجعله أكثر قرباً من المعرفة الإنسانية، وقادراً على الإسهام في صنعها، أو الاضافة إليها.

وأختم في أخبار أمس، برجل كندي تمكن من اجتياز حدود بلاده مع الولايات المتحدة، على الرغم من أنه نسي جواز سفره، بفضل صورة من الجواز كان يحتفظ بها على جهاز «آيباد» ساعدته على العبور بين البلدين..

أظن أن الرجل يريد في بيته أكثر من دمية لستيف جوبز.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة