كل جمعة

ليست ثورة «مجيدة»..

باسل رفايعة

ساءني أن تُوصف ثورة 25 يناير، بأنها «مجيدة»، فذلك هو الشؤم بعينه، لأن الوصف يستدعي إلى الأذهان ثورات عربية «مجيدة» في تاريخنا الحديث، جاءت على الدبابات، وعسفت بالشعوب، ومنعت الحرية والخبز والكرامة عن الناس، كما يستدعي الوصف حركات «مجيدة» أيضاً، تحظر الإنترنت عن شعوبها، وتسجن منذ ثلاث سنوات طفلة أنشأت مدونة، وكتبت عليها كلاماً طفولياً لعيون بلادها.

كم من كلمة جميلة فقدت معناها من سوء ما اتخذها العرب شعاراً لأسوأ الممارسات، وإليكم بعضها: الديمقراطية، الشفافية، الإصلاح، دولة القانون والمؤسسات، حرية الرأي والتعبير، حتى صرنا نفهم المعنى المضاد للتعبير حين نسمعه فوراً، بعقول درّبها الإعلام الرسمي العربي على الكذب، الذي يبلغ أحياناً حدّ الضحك القاتم، شديد المرارة والأذى.

الثورات والحركات العربية «المجيدة» لاتزال تحدثنا عن تمسكها بالحرية، دون أدنى شعور بالتناقض، وهي تفرض قوانين الطوارئ، وتحجب مواقع «فيس بوك» و«تويتر» و«يوتيوب» على الإنترنت، وهي نفسها التي ترى المجد قائماً وراسخاً فقط، في غياب الحرية وإرادة الناس، وما يتبقى فكلام، لا أحد يُحاسبُ عليه.

لكنّ ذلك كان في الماضي، أي قبل ثورتي تونس ومصر الرائعتين، أو الجميلتين، أو الملهمتين، أو ما شئتم من أوصاف ليس بينها «المجيدة»، حيث يُسهل في بلاد العرب بيع المجد في نشرة أخبار رسمية، لا تُسمن ولا تغني من معرفة، نعم كان ذلك قبل أن يقرر الجوع أن الخبز ليس حُلماً بعيداً، وقبل أن تقرر الكرامة أن ترفع صوتها عالياً، كأنها جوقة أجراس، وتهتف من أجل أن تمشي بكامل بهائها واكتمالها في شارع بورقيبة، أو في ميدان التحرير، وقبل أن يعرف المجد أن إرادة الشباب وحدها من تصنعه، لا هدير الدبابات، ولا خرافات الإعلام الرسمي.

لنقل: ثورة 25 يناير الجميلة، بكل المعاني المباشرة لحركة اجتماعية شابة، تدافع عن قيم الحق والجمال، وأولها السعي إلى مجتمع متصالح، قليل الاحتقان والغضب، مجتمع ضدّ التعصب والجهل والفساد العقلي، مؤهل لتغيير مفاهيمه باستمرار، ولا ثوابت جامدة تحرك انفعاله ومزاجه، أليس ميدان التحرير مكاناً جميلاً ليلتقي فيه البشر تحت حماية الحرية، وشروطها النبيلة التي لا تُدرّسُ في كليات الشرطة؟

ثورة جميلة، كانت الدبابات فيها تعبيراً فولكلورياً، يكتب الشباب فوق فولاذها شعاراتهم، ولا يسمحون لأحد باعتلائها للحكم والاستبداد، بل يتركونها للأطفال، يصعدون عند مدافعها، رافعين شارات النصر، وقريباً منها تصدح مكبرات الصوت بأغنيات الشيخ إمام عيسى، ومحمد منير.

لنقل: ثورة 25 يناير الرائعة، وهذا الوصف سمعته من محلل مصري متقدم في السنّ على فضائية «الجزيرة»، يعتبر أن الشباب الرائعين في الميدان حققوا إنجازاً سلمياً، في أيام قليلة، وكانوا على قدر من الروعة التي دفعتهم إلى التضحية بأرواحهم من أجل مستقبل بلادهم، وقال إنه لاحظ أن غضب الطريق تراجع في مصر، وكذلك التعبير عن الكبت والقهر السياسي والاجتماعي، وبات الناس أكثر تسامحاً وهدوءاً، يوحدهم تفاؤل عام بالتغيير والأمل.

ثورة ملهمة، تؤرّخ لأفضل ما يُمكن تحقيقه بالحراك السلمي، ثورة تصنع الأنموذج والمثال، وتجعل كل شعب مقهور قادراً على تغيير واقعه حين يشاء، وكل ما يحتاج إليه روح حرة، وميدان للتحرير.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة