5 دقائق

الرحمة المهداة

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

لم تعرف البشرية رحمة عامة من بني البشر كسيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإن الله أرسله ليكون رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أرسله على حين فترة من الرسل، كان قد انقطع وحي الله عن خلقه، فعمت الجاهلية، وانقلب الناس عن الحنيفية السمحة إلى الجاهلية المقيتة، وساد فيهم قانون الغاب، وعبث البشر ببعضهم تنكيلاً وتقتيلاً، وبالأخلاق النبيلة ضلالاً وتضليلاً، تبدلت الإنسانية فيها إلى قطعان وحشية، يأكل بعضها بعضاً، لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً، وهم الذين خلقهم الله لعبادته، فتنكبوا عبادة الخالق، وأضحوا يعبدون المخلوق، بل يصنعون الأوثان ويجعلونها نِداً للواحد الديان، أحوال تنكرها عقولهم، ولكنهم يتبعون فيها ضلال الآباء، ويقولون: {إِنا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمةٍ وَإِنا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون} فكانت لهم عقول ولكن لا يفقهون بها، ولهم آذان ولكن لا يسمعون بها، ولهم أعين ولكن لا يبصرون بها، فما حالهم إلا كالأنعام، بل هم أضل، كما أخبر الله تعالى عنهم.

أما البشر فإن لهم رسالة كونية في هذه الحياة، تحملوها طوعاً، فلابد من أدائها، وهي معرفة الله تعالى بالتوحيد، وعبادته بالتجريد، ولم يكن أحد أجدرَ بتبليغ الناس رسالة ربهم على سبيل العموم إلا هذا النبي الذي اصطنعه الله على عينه، ورعاه يتيماً، وحفظه شاباً وكهلاً، وعصمه من الزلل، وحماه من الأعداء، واصطفاه من البشر، وفضله على الأنبياء، وكان فضل الله عليه عظيماً، بعثه ليجدد الحنيفية الإسلامية، وحلاه بالرحمة، وزكاه بعظمة الأخلاق، فدعا إلى الله على بصيرة، اتسعت أخلاقه للأعداء فضلاً عن الأولياء، فأبلغهم رسالات ربهم، وحاورهم في عقائدهم، وأبان لهم الحق ورغبهم فيه، وبين لهم الضلال وحذرهم منه، فحيِيَ من حيِيَ عن بينة، وهلك من هلك عن بينة، ورأف بهم رأفةً فاقت رأفتهم بأنفسهم؛ لأنهم لا يعرفون المآل، ولا يعقلون الأهوال، فكانوا كالفراش تقذف بنفسها في النار وهو آخذ بحُجِزهم أن يتقحموها، فأبى أكثرهم إلا كفوراً، فبلغ به الأسى مبلغه كاد يبخع نفسه أسىً على طغيانهم، وما ينتظرهم من عذاب أليم، حتى عتب عليه ربه فقال له: { لَعَلكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} كان كذلك لما جبله الله عليه من الرحمة المفعمة، والرأفة الكاملة، وإلا فإنه يعلم أنه لا يملك الهدى، وأنه ليس عليه إلا البلاغ، وأن الحق سبحانه لو شاء هدايتهم لأنزل {عَلَيْهِمْ مِنَ السمَاءِ آيَةً فَظَلتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} وأنه لو شاء {لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلهُمْ جَمِيعًا} لكنه أراد أن يبقى الناس منهم المؤمن ومنهم الكافر؛ لأنه خلق جنة وناراً، وجعل لكل منهما ملؤها، هذه الحقيقة يعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رحمته أبت عليه إلا أن يجاهد في الله حق جهاده لتبليغ الرسالة لا لِتحل الهداية، فمن في البشر كهذا النبي المصطفى؟! الذي تهل أنوار ولادته في هذا الربيع الطلق المحيا، والباسم الثغر، بعليله الحلو كعليل شريعته، الربيع الذي يجدد ذكرى مولده، صلى الله عليه وسلم، فيتضوع طيباً، ويفوح عبقاً ذكياً، ويخاطب عقول محبي هذا النبي وهم جميع أمته، أن عليهم نحو نبيهم واجبات ثقالاً، تؤدي إلى شريف المآل، هي امتلاء الجوانح بمحبته، والاقتفاء الكامل لسنته، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، لا في ربيع الأول، ولكن ديدنا لا يتحول.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة