أبواب

دور الزعيم في التاريخ

قيس الزبيدي

لا تقتصر شرارة الثورة أو الاحتجاج على طريقة إحراق الذات، إنما كانت تندلع في مفترق تاريخي معين، بشكل عفوي وبعيد عن التخطيط الذي تنظمه، عادة، قوى المعارضة ضد الهيمنة والتسلط. ويبين مسار الصراع التاريخي أن لكل ثورة بداية انطلاق على شكل شرارة، غالباً ما تبدأ في كسر حواجز الركود نتيجة لفقدان القدرة على تحمل الظلم والاضطهاد لتكتسح كل من يقف أمامها.

لماذا يلجأ الشعب إلى الشارع طريقاً وحيداً للتغيير؟ وهل يستطيع تحقيق أهداف انتفاضته بعيداً عن قوى المعارضة السياسية؟ لقد بحث الفيلسوف بليخانوف مشكلة البطل في التاريخ في كتابه القيم «دور الفرد في التاريخ» ترجمه وقدم له المُفكر إحسان سركيس، وهي المشكلة التي كانت في زمنه ولاتزال معقدة وحادة بشكل فريد. ولعل أصل المشكلة يأتي، تاريخياً، من حقيقة كون الزعامة ظاهرة شرعية لا يمكن الاستغناء عنها في كل شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي أو السياسي، كما أن هذه الشرعية نفسها، كيفما كانت، تولي الفرد أو قلة من الأفراد مقاليد التقدير والتقرير، على أساس أن الرجل العظيم هو رائد يرى أبعد من الآخرين، ويبصر بقوة أكثر منهم. غير أن أهميته أيضا تأتي من مفهوم السلطة لديه والرؤية التي تيسر له دوره في سياق الأحداث الاجتماعية وإلى أي مدى يمكن لزعامته أن تقرر اتجاهات المجتمع الضرورية، وأي نوع من الحالات يكون من واجبها ألا تفعل ذلك،

تورد حكمة صينية قديمة «الرجل العظيم مصيبة عامة»، وفي وقته قال بريشت «ويل للأمة التي تحتاج إلى قائد!».

لماذا نقع فريسة خطأ في التقدير حينما نتعرض لدور الرجال العظام في التاريخ؟ إن موت، أو زوال أي شخصية سياسية، يمكن أن يؤثر في النتائج، ولكن التأثير يكون بالغاً عندما تعجز هذه أو تلك الشخصية عن فهم المشكلات الاجتماعية والسياسية وتعجز عن ضرورة حلها. لذلك نجد أن مصائر الأمم تتوقف أحياناً على حوادث عارضة مرتهنة بالمصادفات التي يمكن أن نسميها في وقتنا الراهن الشرارة الأولى.

كان هيغل يقول «في كل ما هو متناهٍ، يكمن عنصر المصادفة» التي حينما تظهر في «نقاط تتقاطع فيها وتتصالب ظاهرات التطور الضرورية»، ويبدو الآن بما لا يقبل الشك أن باب الحرية، أخذ يفتح مصراعيه أمام مستقبل جديد لشعوبنا العربية، بعد أن بدأت تنجز انتفاضتها العظيمة، وترفض الخضوع لفرد ما أو لحزب ما يحتكر تمثيلها ويحدد مصالحها.

في مواجهة التاريخ أمام الإنسان صفحتان: شروط موضوعية صنعته في فترة معينة من التاريخ وصفحة إنسان صانع مُطور لهذه الشروط، ومع أن الإنسان نتاج لظروفه الاجتماعية، إلا أن التجربة التاريخية تُعلمنا بوضوح، أنه هو من يغير الظروف، وأن القائد، الذي يتولى مهام تربيته، يحتاج إلى من يربيه. إن ميدان عمل المستقبل الواسع لا ينفسح أمام «الرواد» العظام وحدهم، وإنما ينفسح أمام الأغلبية العظمى من جماهير الشعب، الذين يملكون عيوناً للنظر وآذاناً للسمع وقلباً ينبض بمحبة الناس وحريتهم.

alzubaidi0@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة