كل يوم

التحقيق والعقاب!

سامي الريامي

فرق شاسع بين الخطأ في العمل، والإهمال، فالأول يمكن التغاضي عنه، لأنه مهما كان حجمه فهو ناجم عن الانهماك في العمل، ومن لا يعمل لا يخطئ، أما الإهمال في تأدية مقتضيات الوظيفة فهو مسألة لا يمكن التساهل معها وتقتضي التحقيق والمحاسبة والعقاب، خصوصاً إن خلّف الإهمال ضحايا، والمسألة تتعقد أكثر إذا تضاعف عدد الضحايا ووصل الأمر إلى غرفة العمليات، أو موت إنسان!

ما حدث في دبا الفجيرة نموذج صارخ للإهمال، هناك قصور واضح مازال مستمراً حتى الساعة، فكيف تترك الجهات المختصة في البيئة والسلامة مكبّـاً للنفايات السامة على مساحة واسعة من دون أن تحيطه بسياج أو على الأقل بلوحات إرشادية؟ هذا إذا سلّمنا أصلاً بمدى صحة وقانونية وجود مكب للنفايات الخطرة بهذه الطريقة البدائية والعشوائية، من دون إلزام المصانع إيجاد وسائل وطرق حديثة وآمنة للتخلص من النفايات الخطرة، ألم يسمع أحد في بلدية دبا الفجيرة، أو الفجيرة، عن ضرر هذه المواد بالبيئة والتربة والمياه الجوفية والحيوانات والنباتات؟ ألا يعرفون أن مثل هذا التصرف جريمة يعاقب عليها قانون الدولة، وكل قوانين العالم؟!

طفلان مواطنان كانا في نزهة جبلية لمشاهدة الوديان، يجريان ويلعبان ولم يرتكبا أي خطأ أو جريمة، وجدا نفسيهما فجأة في حفرة مملوءة بمخلفات مواد كيميائية سامة، والنتيجة حروق شديدة ذاب معها جلد «خليفة» بنسبة 65٪، وحروق في جسد «جاسم» بنسبة 25٪، أرقدتهما في العناية المركزة، وهما الآن ينتظران تنفيذ أوامر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله، لمواصلة علاجهما في أفضل المستشفيات المتخصصة في الحروق خارج الدولة.

«خليفة» و«جاسم» أنقذتهما العناية الإلهية من موت محقق، وبفضل من الله، ومن محمد بن راشد، سيتم اتخاذ كل الإجراءات التي يمكن أن تعيد إليهما البسمة والطفولة، لكن هناك مواطناً آخر لقي حتفه في المنطقة ذاتها والحفرة ذاتها، فمن المسؤول يا تُرى عن هذه الروح التي أُزهقت؟

ما يثير الاشمئزاز والغضب، ذلك البيان الصحافي الذي أصدره مدير بلدية دبا الفجيرة، يؤكد فيه أنه لم يتلق أي تقرير يفيد بتعرض أطفال للحروق في تلك المنطقة، ولا أدري إن كان ذلك نوعاً من إخفاء المعلومات والتكتم على الأخطاء بطريقة نفي الحقائق التي كانت سائدة في عصور التخلف ما قبل ثورة الإعلام والإنترنت، أم أنه نوع جديد من فن إدارة الأزمات بشفافية ووضوح!

عموماً لا يهمنا حالياً إن كان مدير البلدية سمع عن «خليفة» و«جاسم» أم لا، ولا يهم إن كان قرأ عنهما أو شاهد صورهما في «الإمارات اليوم» أم لايزال يصرّ على النفي، كما لا يهمنا اهتمامه بالموضوع برمته، او الإصرار على تجاهله، الأهم منه ومن ردة فعله، هو وجود مسؤولين كبار في الدولة يقفون مع الشعب دائماً في أوقات الشدة، يتابعون ما يحدث ويتخذون قرارات حكيمة وسريعة، كل ما يهمنا اليوم هو صدور قرار من أعلى السلطات في الفجيرة للتحقيق في كيفية وجود مكب خطير بهذه الصورة غير الحضارية، ومعاقبة كل مهمل في عمله أسهم ولو بنسبة بسيطة في مأساة «خليفة» و«جاسم» ووفاة مواطن حرقاً في تلك الحفرة.

 reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة