كل جمعة

«الآن فهمتكم»..

باسل رفايعة

سقط زين العابدين بن علي يوم الجمعة 17 ديسمبر2010  ، حينما أحرق محمد البوعزيزي نفسه، وليس يوم الجمعة 14 يناير ،2011 حينما فرّ مذعوراً من البلاد التي عاث فيها استبداداً على مدى 23 عاماً.

الجلاد بالجلاد يُذكر، فهم إخوة في الدم والمصير والجحيم. ألم يقتل طاغية عربيّ الملايين من شعبه ويشردهم، ويهرب ذات شتاء ليس بعيداً إلى حفرة أقل عمقاً من قبور ضحاياه، فيعود اللاجئون من بطش الطاغية إلى بلادهم «ليكتشفوا أن القائد الضرورة.. لا ضرورة له»، وأنه كان قوياً بجبروت الطغاة وشهوتهم للموت ورائحة الدماء، ولم يكن قوياً بما يكفي ليصمد أياماً ويدافع عن الأرض التي جفّف أنهارها وأحلامها، ولم يُكثر فيها سوى اليتامى والأرامل؟

المستحيل لا تعريف له أكثر دقة من الخوف، والممكن دائماً على بعد خطوة واحدة من الجرأة والأمل، والطاغية يُعْرَفُ بارتباكه وهلعه، لا بسطوته وأكاذيبه، وهو أكثر ما يكون خوفاً حينما يبدأ بالتفكير في الملاذ قبل البلاد والناس، والهيبة المصنوعة بالبطش والحراس والسجون سرعان ما تتداعى حين تتساوى الحياة مع الموت لدى شاب صنع من يأسه إلهاماً لكل الذين يشبهون سحنته وجوعه وأوجاعه.

كان المشهد أقرب إلى الخيال، حينما قرر شاب يدفع عربة خضار أن يردّ على الفقر والظلم والإهانة بحريق أضاء بلاداً بأكملها، وترك مشاهد للتاريخ والدروس والمفارقات، ولكل ما كان عصيّاً على التوقع والمفاجأة قبل 17 ديسمبر الماضي.

فهذا هو الجلاّد بكل جبروته، ولغته الفظة المنزوعة من الرأفة، والمأخوذة من القضبان والسلاسل والعتمة يزور ضحيته البوعزيزي في المستشفى، ويسهب في أمنيات الشفاء وعبارات النفاق، ويقف إعلامه الديناصوري للزيارة بالمرصاد، فيسهب في وصف الألم الذي انتاب الرئيس المخلوع لما حدث، لكن الصورة تفعل فعلها في الشارع، وينقلب السحر على الساحر، فلا أحد يصفق للأكاذيب، بعدما اندلعت النار في الجسد.

بكل جبروته، توسّل التونسيين في لحظة تشبّث بالصولجان، وكان يظن أنهم في انتظار كلمته: «فهمتكم». كان يمثل دوراً ثانوياً رديئاً في مسرحية عن التوبة، فاندمج فيه، وخفض صوته مستسلماً بأنه بات الآن «يفهم» شعبه، ولم يرد منهم أكثر من أن يفهموه، كأن الأمر محض عتاب عابر بين القاتل والمقتول.

الجلاد نفسه في الملجأ، يتابع أخباره، حاول مراراً الوصول إلى أجهزة الإعلام والصحف التي أسسها وشملها برعايته، يا للمفاجأة، إنها غير متاحة، ولم تعد تصلح للاستهلاك البشري، ولم يعد بإمكانها أن تقول إن «القائد الضرورة.. ضروري جداً» في هذه اللحظات.

استسلم المصنف عالمياً بأنه «عدو الصحافة»، وقرر التواضع والبحث عن إعلام معادٍ له، ولا مكان أفضل في الفضاء العربي من «الجزيرة» التي منعها، حينما كان الوحيد الذي كان مؤهلاً لتقدير مصلحة التونسيين في ما يحق لهم مشاهدته وتصفحه على شبكة الإنترنت.

هُنا «الجزيرة».. هُنا التونسي جداً محمد بن كريشان، يذيع خبر هروبه، على هيئة البيان رقم واحد الذي كتبه التونسيون بدمائهم، هُنا «الجزيرة» تقود شكل التغيير الدستوري الذي مشت إليه البلاد بهدوء.

هُنا تونس بكامل زينتها وزيتونها تسرد خضرتها في الخرائط العربية، وتعلمنا أن التغيير يبدأ أحياناً من عربة خضار.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة