أبواب

النص الموارب

خليل قنديل

ثمة احتيالات يمارسها المبدع العربي على نصه تحتمل أكثر من تأويل، وذلك في ما يخص السيرة الذاتية، التي تبدأ بتقمص سيرته الذاتية في شكل روائي، يحاول أن يقدم نفسه من خلالها بشكل موارب، يقصي النص عن مادته الأساسية، وهي السيرة الذاتية، بحيث تبدو ذاتية الراوي وسيرته بعيدتين كل البعد عن المتن الروائي.

ولو حاولنا مراجعة هذا الإسهال الروائي السائد حالياً في غير عاصمة عربية، وبدأنا بمراجعة هذا النص والعمل على استلال السيرة الذاتية لصاحب النص، ومن ثم مقارنتها بالنص ذاته، لاكتشفنا تواشجاً عجيباً بين النص الروائي والسيرة الذاتية، واكتشفنا أيضأً أن أكثر من ثلثي نص ما تضمنته الرواية يعتمد في قيمته السردية على تلك الجوانب السرية للمبدع ذاته.

هذا يحدث بسبب النهج الباطني في حياة المبدع العربي، الذي هو جزء من الباطنية التي تميز شخصية العربي.

ففي مجتمعات مثل المجتمعات العربية التي تتسم بالمحافظة والتعصب والباطنية، يصعب على الكاتب أن يدون سيرته الذاتية في كتاب، يشرح من خلالها كل شطحاته السرية التي كونت شخصيته أساساً. وتجنباً للوقوع في مثل هذا الالتباس، كثيراً ما نقرأ في توطئة الرواية، تلك العبارة السمجة التي يقول فيها بعض كتاب الرواية العربية «إن أي تشابه بين شخصيات هذه الرواية وشخصيات الواقع هو محض مصادفة وليس له علاقة بالواقع».

إن هذا الجبن الكتابي «إن صح التعبير»، هو ما يجعل الروائي العربي يستتر خلف ساتره الترابي، كي يُلبس شخوصه ما ليس فيهم في الأصل.

ولهذا يكون من السهل على الروائي العربي أن يذهب ناحية الآماد التي يقيم فيها النص الموارب، كي يكد على تخليق حادثته المزيفة، بحيث يمكن تقميش الحادثة الذاتية الفضائحية للبطل، في جمل متسقة تشكل في النهاية ثيمة الرواية وقيمتها الإبداعية عموماً، وتحميل كل العاهات الذاتية لبطل الرواية، بينما هذه العاهات هي من الإصابات التي أدمت روح كاتبها بشكل شخصي، وكان من الصعب عليه أن يبوح بها في سيرة ذاتية تتسم بالجرأة.

لكن والحق يقال، هناك بعض التجارب الروائية العربية الجديدة، تستحق بالفعل الوقوف ملياً عند جرأتها وقوة اقتحامها للذات الفردية، وللذات الجمعية، لا بل والذهاب إلى تسمية نصها الروائي، بالسيرة الذاتية، من دون خوف أو وجل.

وهذا هو ما قرأته أخيراً في تجربة الشاعر والروائي المصري «حمزة قناوي»، في روايته «المثقفون- سيرة حياة شاب مصري»، التي يتحدث فيها وبفنية سردية عالية المستوى عن حياة أحد الرموز الفكرية والثقافية المصرية، والعمل على فضح مكونات هذه الشخصية وعقدها الطبقية الإقطاعية النائمة، المستترة خلف النضال الشيوعي الماركسي، والأفكار الأيديولوجية الكبيرة، وذلك من خلال عمل الشاب «حمزة قناوي» عند هذا المفكر، ورصد حياته لحظة بلحظة.

بقي أن نقول إنه قد آن الأوان كي يتخلى الروائي العربي عن نصه الموارب، ويدخل في فضيحتنا الجماعية كما فعل المبدع حمزة قناوي.

khaleilq@yahoo.com

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة