أبواب

الإنسان الوجداني

زياد العناني

إذا كان لكل مؤتمر خلاصة معرفية، ولا نقول رزمة من التوصيات الباهتة، فإن خلاصة مؤتمر كلية الآداب الذي عقد أخيراً في الجامعة الأردنية بمشاركة عربية وعالمية تكمن في الكلمة التنويرية التي قدمها د.فهمي جدعان، وجاءت بعنوان «في وجودنا في العالم»، وأكد فيها أن العالم ينطوي على حضور معادٍ وأن الإرث الثقافي أصبح ثقيلاً ومعانداً، وأن المكان يتوزع بين أليف وطارد، وأن الشخص الإنساني صار عالماً قائماً بذاته يعيش ضمن أناه المستبدة والحاكمة، وأن الأنوات مترفعة متضادة والصراع ديدنها.

من يدقق في ما قاله جدعان سيجد أن عبارته هذه لم تصغ لتكون مفتوحة على اليأس، وإنما لتكون دعوة موجهة إلى الإنسان العربي بضرورة الانتباه إلى وجوده في العالم وفي المجتمع، ومعاينة مغزاه وغاياته.

وعلى نحو ربما يكون مفارقاً لما تذهب إليه النخب الأكاديمية المجاملة جاءت صدمة جدعان، لكي تؤكد أن الأدب لم يعد «الأخذ من كل علم بطرف»، وإنما هو مشروع يضفي الأنسنة والتواصل على الوجوه المتباينة المترافعة والمختلفة لهذا العالم، ويقيم الأسس لعالم إنساني قواعده وجدرانه وسقوفه مكان حميم ولغة طيّعة وعلاقات شخصانية متراسلة وآفاق ذهنية وفكرية مطابقة وحساسيات جمالية مهذبة.

ولأن الأشياء لا تكون دائماً على ما يرام، يذهب جدعان إلى القول بأن عالمنا لم يعد عالم الحلم والأمل والتواصل والدعة، وأن أدواتنا لم تعد مشغولة في مقاربة الوجود، وذلك لأن الروح فقدت قوتها البانية وأسلمت وجودها إلى القوى العاتية، قاصداً قوى الثقافة الكونية الشمولية أو«التوتاليتارية» التي يرى أنها لا تأبه للغة أو التاريخ أو الفن أو الصفاء الروحي.

وعلى هذا الأساس يرى جدعان أنه تم اختراق المكان وتجريده من خصوصيته ومن حميميته، وبات التاريخ سرداً مملاً، والتراث معطى تاريخياً، واللغة مقطعة الأوصال هجينة، كما يرى أن الوجود قد خرج من النفس وأصبح معطى خارجياً تدوسه أقدام القوانين الباردة أو تتلقاه عيادات اضطرابات الشخصية.

ولأن كلمة جدعان لم تكن كلمة تتعلق بالمناسبة التي حل عليها ضيف شرف أعلن بين الأكاديميين أن اللغة تعبث بها لغات، وأن الفلسفة مجرد بدع وأسمار، وأن النفس المقومة للذات صارت مجردة من كل سلاح، وأن المكان صار ذكرى المهاجرين الى ديار الأغراب، وأن العائلة والجماعة والأمة أشتات وأشلاء، ورغبات ومنافع، وخصام وفراق.

والمؤلم هنا هو تأكيد جدعان أننا الآن في غابة العولمة، وغابة السلطة والعبودية، وغابة التاريخ الذي لا يعرف إلا الحدث اليومي العابر والنفس الموزعة في كل تيه، والجماعة التي لا تأتلف، والجمال الذي يبعث القبح والقوة التي لا ترحم، والموت الذي يصبح معطى «عادياً»!

وبناء على كل ما تقدم يطالب جدعان بإعادة بناء الإنسان بعيداً عن «الثقافة الكونية» وغاياتها في تفكيك كل شيء، ويدعو إلى ضرورة وجود شبكة دفاع ومجابهة شاملة تعيد إلى الإنسان الوجداني قيمته وحقوقه. ويبين صراحة أن العقل العلمي لم يعد يشكل إلا مقطعاً من مقاطع العقل، وأننا نحتاج إلى إعادة الثقة لهذا الوجود، والتخلص من أعراض اليأس ومخاطر الزمن الراهن.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة