مرافئ

ما بعد الجابري

زياد العناني

لو خير المفكر الراحل محمد عابد الجابري بين حفلات التأبين والوقوف دقيقة صمت احتراما لفكره وروحه وبين القراءة الواعية لمدونة أفكاره لاختار بكل تأكيد أن نقرأ بحثه «القبيلة والغنيمة والعقيدة»، الذي حدد فيه ثلاث محدودات حكمت العقل السياسي العربي الماضي ومازالت تحكمه، وأن يتوقف كل المفكرين ايضا عند مشروعاته ومطالبه التنويرية التي دعت الى تحويل القبيلة إلى مجتمع منظم تنظيماً مدنياً وسياسياً واجتماعياً وتحويل الغنيمة إلى اقتصاد منتج وتحويل العقيدة إلى مجرد رأي.

فالجابري الذي هضم الدرس البنيوي وتوقف عند ألتوسير وفوكو، لم يفتهُ أبدا أن الفكر العربي لم يتعلم من الفكر الغربي احترامه للمدونات الفكرية واعتبارها دورة معرفية متصلة يتناقلها السلف عن الخلف ويطور فيها ويجتهد بغض النظر من موت منتجها الاول أو غيابه أو توقفه لأسباب مرضية.

لقد غاب الجابري ولكن غيابه الذي فجع فيه المشهد الفكري قبل أيام سيكون مؤلما له ولنا أكثر، إن لم نجد من يتابع مشروعه الفكري الذي تناول فيه بنية العقل العربي ليس من أجل تكريسه فقط وإنما من أجل البناء عليه والأخذ منه وعنه ورفده بالجديد والاستمرار في دراسة الصراع المائل ما بين العربي من جهة وعقله من الجهة الاخرى.

لقد درس الراحل المكونات والبنى الثقافية واللغوية العربية وخرج بنتيجة تقول «إن العقل العربي بحاجة إلى إعادة الابتكار» مقدما دعوة مفتوحة لعقلنة الفكر العربي ومؤشرا إلى ضرورة اللجوء الى المذهب الانتقالي، الذي يرى أن «العلم شيء والعقيدة شيء آخر».

غير أن الجابري الذي اصدر أكثر من 30 مؤلّفا جدليا عاني سوء الفهم وعدمه في حياته وفي رحلته الشاقة في مجال التفكير والبحث والإبداع ولكنه لم يتوقف عند حدود المعاناة بل ظل يكد ويحاول أن يقيم جسراً بين التراث والمعاصرة والعقل والنقل إلى أن سجل أكثر من سابقة في مجال السؤال النقدي رغم رأي الأمازيغيين الذين رأوا فيه متعصبا للقومية العربية ورغم رأي من أصروا على إغلاق باب الاجتهاد ونقدهم لكتابه اللافت «مدخل إلى القرآن الكريم»،

وبين الرأيين ظل الجابري يقف الى جانب أفكاره التي قسمت الفكر الإسلامي إلى ثلاثة تيارات هي«البيان والعرفان والبرهان»، وظل يقدم نقده في الدراسات الابستمولوجية الجديدة والمؤثرة التي أسهمت في تحول المفكرين العرب من حقول الايديولوجيا الى حقل الابستمولوجيا وذلك حين خلصهم من الهيمنة الماركسية وغيرها من المدارس الفكرية التي فقد بريقها بحكم جمودها.

وبناء على ما تقدم لابد من الاسترسال في متابعة آثار وتأثيرات الجابري الكثيرة وتوجيه دعوة إلى مؤسسات الفكر العربي ومراكز الابحاث وصانعي القرار السياسي في الوطن العربي لمعاينة أفكار الجابري، وتمثل ما ينتمي منها إلى مشروع النهضة لأن أفكار الجابري أحاطت بهذه المفردة التي حاول من خلالها نقد وكشف الزمن الراكد الذي يعيشه الإنسان العربي اليوم مثلما عاشه أجداده في القرون الماضية، اضافة الى إصراره الدائم وإيمانه بأن «الإصلاح مسألة إرادة، بل مسألة وجود أو عدم وجود»، إذا قدرلنا أن نمتلك القدرة على عقلنة العقل العربي.

zeyad_alanani@yahoo.com

 

طباعة