‏5 دقائق‏

‏آفة التحرش.. الأسباب والموانع‏

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

‏لم تكن المجتمعات الإسلامية عامة، والعربية خاصة وهذا البلد المبارك بأخص الخصوص تعرف معنى التحرش الجنسي بالأطفال، لما نشأت عليه من الفضل والأخلاق، وما توارثته من قيم، فقد ربى الفقهاءُ الناسَ على مفهوم الصغيرة التي لا تُشتهى، فنهجوا على هذا المفهوم، فكان الكبير ينظر إلى الفتاة وهي في سن المراهقة على أنها ابنته، ولا يدور في خَلَده سوء قط، ناهيك عن أن يتصدر هذا المفهوم إلى البنين، فذلك ضرب من ضروب المستحيلات، التي ما كانت تعرف إلا في أساطير المؤرخين، حتى حدث في زماننا ما يؤرق الضمير الحي، ويقض مضاجع الأحرار، وتشمئز له الأسماع، ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب، وليته سبب ولكنها أسباب، من صنع المجتمعات والآباء والأمهات، والإخوان والأخوات. إنها السماح لبُؤر الفساد أن تتسلل إلى البيوت من خلال القنوات الهابطة، والمواقع الإباحية، والصحبة السيئة، والانفتاح المقيت لثقافة الأمم التي لا ترى في مثل هذه المنكرات ضيراً.

إنها الوثاقة العمياء بالرجال الذين لا يعرفون لله وقاراً، ولا يذكرون الله سراً أو جهاراً، وهم قوم عُزب غُرب، أو قومُ سوءٍ ولو من القرب.

إنها عدم تربية الأبناء على الفضائل، وتحذيرهم من الوقوع في الرذائل، حتى إن بعضهم ليفتخر إذا رأى من ولده بصبصةً نحو الرذيلة، لظنه أنه أصبح رجلاً،

إنها التسيب الكامل من الأسر لرعاية الصغار ومراقبتهم وهم أمانة في أعناقهم، فيتركون لهم الحبل على الغارب، في النوادي والفرجان والشوارع والحدائق والمنتديات. فمن ألف المناظر السيئة هل سيتحصن عن محاكاتها إن وجد طفلاً بريئًا أو طفلةً يافعةأ منفردة في غرفتها أو في طريقها أو في سيارة أهلها وهو يقودها أو في دورات المياه أو غير ذلك؟

ومن انفرد بطفلة وهو خالي الوفاض من تقوى أو مروءة، هل سيتردد عن إشباع نزوته والشيطان ثالثهما، يسوقه إلى المنكر سوقا؟ وما كان له من سبيل إلى ذلك لو أن رقابة الوالدين على صغيرهما صارمة، وقد قالوا:

تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد الحامي

ولا ريب أن ذئاب البشر أكثر فتكاً من ذئاب المسابع، ولو أن الناس سلكوا مسلك الشرع في الاحتياط التام للأطفال، لما وقعوا فريسة للأعداء، فالشريعة الغراء بآدابها وأحكامها كافية لحمايتهم مما يخاف عليهم، لو أن الناس احترسوا كما ينبغي، ولو أنهم سدوا ذرائع الفساد، ولو كان عقاب الزاجر لهؤلاء كافياً؛ لو كان الأمر كذلك لأمن الناس على أعراضهم وأولادهم غاية الأمان، ولكن الناس لا يعلمون، وما أبلغ أبا مسلم الخرساني صاحب الدولة يوم قال:

ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد

ولعمرو الحق أن الأسد المفترس أكثر رأفة من بعض البشر، فإنه يتريض بالسائس، وبعض البشر لا يتريضون إلا بسياط حارقة، ومقامع من حديد، ولقد أثلج صدورنا القرار الذي أصدره أمس الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان باستحداث لجنة عليا دائمة لحماية الطفل، فلعل هذه اللجنة تصدر من التشريعات ما يشفي العليل ويروي الغليل من هذه الأخبار المزعجة، فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، والله المستعان وعليه التكلان.

❊كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي‏

طباعة