‏مرافئ‏

‏المكان في الرواية‏

زياد العناني

‏لا أدري ما الفائدة من استظهار المكان العربي في بعض الروايات العربية، إذا كان المقصود هو زج الالتباس بينه وبين المدينة الفاضلة بقلم روائي يحاول أن يقنعنا بأن مكانه الوطني يمثل قيمة جمالية قد لا نجد مثلها في كل بلدان العالم.

ثمة أمكنة عربية يجري الآن تزيينها شكلاً وتاريخاً بكلام سياحي، يعتقد أنه يكرس جماليات المكان، من غير أن يدري المزيّن أن مصطلح جماليات المكان لا يعني الافتعال أو رسم مكان بلا قبح، وأن المجازفة بهذه الحيثيات وتكديسها يتناقض مع ما تعيشه من واقع ماثل.

في عدد لا بأس به من الروايات العربية يجري تصوير المكان، سواء كان قرية أو مدينة، على أنه بلا عيوب، وأن ما نراه وما نسمعه عن هذه المدن يحذف من بعض الروايات التي لم يكتب لها أن تنفتح على كل مكونات المدينة، وإنما كتب أو قرر لها أن تنفتح على أجمل بيت من بيوتاتها، حيث يقوم الروائي، وربما عن قصد، بنسيان أن مكان الإنسان مثلاً هو امتداد لذاته وطبيعته، ويذهب إلى امتداد آخر لا يفرز بعده على البعد الاجتماعي في الرواية التي يكتبها.

هل يعقل مثلاً أن نأخذ عاصمة عربية ونتحدث عن انفتاحها وعن عمرانها ونظافتها ومعالمها السياحية البارزة، وننسى الحديث عن انغلاقها وأمراضها وصراعاتها وموقف أبطالها لمصلحة حيز أو فضاء مختلق، يطفح بالثناء على المكان الذي يعيش الناس فيه، لمجرد أن الروائي يريد أن يدفع فاتورة سياسية أو سياحية للمكان على حساب شخوصه ومنطق التاريخ الذي ينظم أبعاد روايته التي يجب أن تقف في جانب المعنى.

ثمة أمكنة متخيلة لا أحد يعترض على العبث في مكوناتها أو رسمها، لأنها ليست لنا في الأصل ولا تظهر بعينها، ولكن ثمة مدن واقعية وعواصم عربية مكتهلة يجري تزييف واقعها، حتى إنها تذكر بلا عشوائيات وبلا مزابل وبلا ليل أسود وبلا اتجار في البشر، فتبدو وكأنها بلا بعد نفسي أو اجتماعي أو فلسفي، وكل ذلك يحدث مثلاً في عصر الاستكتاب، كأن تقوم وزارة عربية من وزارات الدعم الثقافي باقتراح الكتابة عن مدينة أو قرية معينة، حسب رؤية الوزير أو المدير الساعية إلى تأصيل مكان معين بطريقة عاطفية فجة، معتقداً أن المكان يمكن أن يكون عنواناً للهوية، وأن الهوية الوطنية لا تقوم على الأمكنة المأزومة ولا تحفل بها.

وأخيراً كيف لرواية أن تنجح في إقامة عالم فني موازٍ للظلم الاجتماعي؟ وكيف لها أن تتمكن من صياغة الوجود الإنساني في مكان ليس مكانها؟ وكيف لها أن تكشف أسرار هذا المكان وهي التي تزوره ولا تسمح بكشف أسراره؟ والأنكى من هذا وذاك هو هل يحق للروائي أن يستغفلنا في أهم عنصر تجري فيه الأحداث، وتتحرك فيه الشخصيات لكي يؤسطر مكاناً عمانياً أو دمشقياً تختفي منه العدائية، ويصبح حضنا لمن لا حضن له من دون أن نقول له تباً لك أيها المزين، ليس لأنك تستغفلنا فقط، بل لأنك نسيت أن محاولة تقديس المكان لا تعني إخفاء الجوانب اللامنتمية وجدليتها وإظهار الجوانب الجيدة والمستسلمة لمصيرها لا غير.‏

‏zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة