ممارسة المونتاج

قيس الزبيدي

من أول الكتب التي ارتأت أكاديمية الفنون في القاهرة ترجمتها، كتاب «المونتاج السينمائي ـ 1996»، وهو لا يُعنى بنظرية المونتاج، بل بممارسته. لأن من يروي للمتفرج حكاية الفيلم من خلال الترقيم والإيجاز والإيقاع، هو المونتير الذي يقوم بهذا الإبداع الفني في مرحلة المونتاج، تماماً كما يفعل المخرج في مرحلة التصوير. المخرج يبدع مواده البصرية من تصوراته، فمخيلته تخلق صورَه المُمثّلة، ولا تتقيد حرفياً بمظاهر وجود الصور في الواقع، كما أنه يتخيل، في أثناء التصوير، كل لقطة وكيفية ربطها مع بقية اللقطات، بينما يبدع المونتير عمله من حسية الصور ودوره في قراءتها، وعليه، بالتالي، ألا يأخذ في الحسبان سوى ما يوجد في الصور، لأن أكثر المخرجين يميلون إلى رؤية نياتهم على الشاشة، وليس إلى نتائج نياتهم. وكما يقول تاركوفسكي حول فيلمه «المرآة» «كان فيلمي موجوداً في الصور ولكن وجب العثور عليه في المونتاج».

يتألف الكتاب من خمسة حوارات، أجرتها مساعدة المونتاج صوفيه برونيه مع المونتير ألبير جونسون الذي عمل مع مخرجين فرنسيين كبار وقام بمونتاج أفلام عديدة لآلان رينيه. الحوار الأول حول «العلاقة بين التصوير والمونتاج» والثاني حول «تتابع اللقطات» والثالث حول «الإضمار في الزمن» والرابع حول «الاختلاف بين تصوير الفيلم الروائي والفيلم التسجيلي» والخامس حول «علاقة الصوت والصورة».

أية فائدة نجنيها من ممارسة المونتاج؟

حينما يؤكد جان رينوار «الفن ليس مهنة، إنه الطريقة التي نمارس بها المهنة»، فإن الحوارات تجري كلها عن التطبيق في غرفة المونتاج، بعيداً عن النظرية، لأن ممارسة المونتاج ـ حسب اورسون ويلز ـ هي ما تصنع بلاغة السينما. وفي دراسة للمنظر الألماني بيتر فوس، يتوصل فيها إلى أن الجهود النظرية لم تصل حتى يومنا هذا إلى إيجاد علاقة بنائية، حقة، بين قطبي السينما الأساسيين، قطب المونتاج وقطب مقطع الصورة. وتؤكد لنا التجارب أن معرفة قوانين أي فن، ضرورية لصنع قوانين فن أخرى، على هذا تشكل قواعد المونتاج الكلاسيكية نقطة الانطلاق لأي لغة إخراج جديدة، ولأي لغة مونتاج جديدة.

وبخصوص التوليف بين الصورة والصوت، تأتي المصاعب الجمة أمام السينمائي من استمرارية الصوت وتجزئة الصور. فالسمع يتيح إدراك أصوات عدة في الوقت نفسه، بينما الأذن تتمتع، أكثر من العين، بخاصية الانتقاء، فنحن لا نسمع سوى تلك الأصوات التي ننتبه إليها وتهمنا. على هذا يجعلنا الصوت المستمر ندرك أن ارتباط صور متجزئة في المشهد الواحد، يخلق استمرارية لا وجود لها في الصور نفسها.

ويؤكد المؤلف «بداية لم أكن أعرف أن سبب نجاح الفيلم، هو المونتاج، خصوصاً إن كان جيداً»، ويذكر جملة طريفة لأرديتي «المخرج يدفن فيلمه والمونتير يحفر لكي يخرجه إلى النور». ويبدو من الأفضل ألا يقوم الشخص نفسه بالدفن والحفر معاً. وختاماً يُعقب على ما يقوله «نحن لا نقول كل شيء، لأننا لا نعرف كل شيء، وربما كانت هناك أشياء أخرى نعرفها، ولكن، لا نعرف كيف نقولها». ترجمت الكتاب عن الفرنسية مي التلمساني، وعنوانه الأصلي «ممارسة المونتاج».

 

alzubaidi0@gmail.com

طباعة