عولمة الأخلاق

عادل محمد الراشد

أصيبت العولمة الاقتصادية بسهم الأخلاق قبل المال. ولاتزال الإصابة تزيد الجرح عمقاً لأن مركز العولمة وأطرافها يصرّون على معالجة الجرح بدواء المال، باذلين الجهد لمواراة الاعتداءات التي نالت من الأخلاق وإخفاء الجرائم التي قادت إلى ذلك السقوط المالي الرهيب. فقد استدارت كل أصابع الاتهام عن المضاربين والمرتشين والمتنفذين والآكلين صعوداً ونزولاً.. وكل «الميكيافليين»، واتجهت بتدبير محكم إلى النتائج دون البحث في الأسباب، أو اختزال كل الأسباب في هامشها المالي المحض، ليبدو الأمر وكأنه مفاجأة أصابت الجميع على طريقة زلازل جزيرة سومطرة الإندونيسية وتسوناميها الذي لم يمهل ولم يهمل.

والعولمة، التي زاد سفراؤها بين الضحايا أكثر من الصنّاع، كانت ولاتزال تجعل من الأخلاق وسيلتها وآلتها التي تدمر بتدميرها كل أوجه الحياة الأخرى تحت مسمى العولمة. ولأن الأعمال والتجارة صارت عنواناً لكل مشروعات العولمة فقد صارت الثقافة جزءاً من هذه الآلة الضخمة المسماة بالعولمة. وأخلاق الشعوب ركن أصيل من أركان ثقافاتها. والعولمة الثقافية جاءت بالكثير من المنافع، خصوصاً التقنية منها، ولكن هذه المنافع تم استخدامها كأدوات لابد منها لإنجاز المفاسد، ليصبح اثمها أكبر من نفعها. وتكون وسيلة هدم الأخلاق أسرع إيقاعاً عندما تتجه إلى مجتمعات أكثر هشاشة وثقافات أشد اشتباكاً وتداخلاً لا تنوعاً واختلافاً كما يحلو لنا التزيين. ومجتمعاتنا العربية في الخليج هي الأقرب لهذا النموذج الذي بدأت تضيع معالم ثقافية ولم يبق منها غير التغني بالتراث والخصوصية. وتكون أشد أسلحة العولمة الثقافية فتكاً ذلك النوع من الترفيه الساقط والقادم تحت جنح السياحة وعناوين الفن باسم الحفلات الغنائية المفتوحة لغانيات ومغنين «عالميين» تكون الغالبية الساحقة من جمهورها من الشباب والفتيات المراهقين، فتسقط كل الممنوعات وتزال كل المخطورات، لتؤكل الأخلاق من وسطها قبل أطرافها وتتلون الثقافة بلون رمادي لا شريك له.

 

طباعة