ازدهار الأغنية الشبابية

يوسف ضمرة

لماذا صادفت الأغنية الشبابية، كما توصف، هذا النجاح كله؟ وهل حقاً كان للصورة الدور الرئيس في ذلك، أم إن في الأمر متسعاً لما هو أكثر بعداً وعمقاً؟

لابد من التذكير بما كان قبل هذه الأغنية، ولابد من ربط هذا الازدهار بتحولات شاملة رافقته، ولابد أخيراً من معرفة السياق الذي جرت فيه تلك التحولات، وقراءة أسبابها.

فمنذ منتصف القرن الماضي وحتى ثلاثة عقود لاحقة، كان المد القومي العربي الذي أيقظه عبدالناصر يشكل عموداً فقرياً لبنية اجتماعية عربية، تكاد تكون متشابهة الملامح والجوهر. وكانت القضايا العربية الكبرى تشكل المادة الأساس في أشكال الفنون والآداب كلها. وعليه، لم تكن الأغنية العربية بعيدة من هذه الأشكال، فظهرت الأغنية العربية الوطنية والملتزمة، ثم ظهرت الأغنية السياسية التي في جوهرها عبرت عن أشواق الناس وأحلامهم وطموحاتهم في التحرر والتخلص من آثار الاستعمار الذي خرب البنية العربية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ناهيك عن الكيان الصهيوني الذي زرعته القوى الاستعمارية في قلب الوطن العربي، لكي يظل عقبة في الطريق العربي.

في هذه الحال، ظهرت الأغنية الوطنية أولاً، والتي شكلت رافعة قومية يتردد صداها من المحيط إلى الخليج، وأسهمت في تغذية روح المجابهة العربية، والتصدي لمشروعات التقسيم اللاحقة لسايكس بيكو. فكان أن حفظت الناس (خلي السلاح صاحي) مثلاً، ولم تنسها إلا بعد أربعة أجيال، حدثت فيها تغيرات جوهرية على مستوى الهوية والثقافة، ومفاهيم أساسية كالقومية والتحرر. وهكذا أيضاً، ظهرت الأغنية السياسية بعد إخفاق النظام العربي الرسمي في التصدي للمشروع الصهيوني بما يمثله، ما أدى إلى اندلاع حركات المقاومة الفلسطينية التي أسست لأشكال جديدة في الأدب والفن، كانت الأغنية السياسية واحداً منها، أو من تجلياتها.

ومنذ أول اتفاقية عربية صهيونية، جرت محاولات مستميتة لوأد حركات المقاومة الفلسطينية التي شكلت جامعاً عربياً راسخاً بعد المد القومي الناصري، وجرى العمل بمنهجية واضحة لعزل المقاومة الفلسطينية عن محيطها، فتسللت إلينا الحداثة المشوهة من حيث المفاهيم والجوهر، ولم نر في الحداثة سوى الجزء الذي يعنى بالهوية الذاتية، إلى الحد الذي فهمناها خطأ، لا كما هي كحقيقة اجتماعية لا تتناقض مع الهوية الجمعية.

في هذا السياق، ظهرت الأغنية العربية التي سميت شبابية، إلى جانب أشكال فنية وأدبية، بعضها حسن النية والآخر عكس ذلك.

كان لابد من إشغال الناس بمستحضرات جديدة في الحياة اليومية، وكانت الأغنية الجديدة الفارغة، إلا من حركات الجسد المثيرة والإيحاءات الجنسية المبتذلة. وهو ما ترافق مع فقدان السينما العربية أي اهتمام جدي بقضايا الناس الجوهرية، وما ترافق أيضاً مع هذا الانحدار المدوي للمسرح العربي، بعد كثير من الإشراقات التي لمعت في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

لقد تمكن المشروع الثقافي الغربي من تحويل القضية الفلسطينية إلى نزاع يخص فئة من العرب، ونجح في حرف أنظار الناس عن هواجسهم وأحلامهم وقضاياهم. وفي هذا السياق، يمكن فهم هذا الازدهار الغريب لهذه الأغنية التي لا تهدف إلا إلى مزيد من عزل الشباب العربي عن المفاهيم الحقيقية للحياة والقيم الإنسانية، بما في ذلك الحب نفسه.

damra1953@yahoo.com

طباعة