تبعات عدم الإفصاح

*محكم ومستشار قانوني

محمد نجيب*

يعتقد كثيرون أن كل ما يسبق التوقيع على العقود لا يعدو كونه وعوداً أو مفاوضات يمكن التراجع عنها بلا تبعات، لكن الواقع تغير كثيراً، وفق التعديلات الحداثية التي ينص عليها قانون المعاملات المدنية رقم 25 لسنة 2025.

اعتاد الناس التعامل مع مرحلة التفاوض باعتبارها مساحة حرة، يستطيع كل طرف خلالها أن يقول ما يشاء أو يخفي ما يشاء، بما أن العقد لم يوقع، لكن لم يعد الأمر يتعلق بما هو مكتوب فقط، بل أحياناً بما لم يكتب أولم يفصح عنه أحد الطرفين خلال التفاوض.

المادة 121 من القانون تتضمن الأحكام المتعلقة بالمفاوضات السابقة على التعاقد، وتنص على أن اقتراح المفاوضات وسيرها وإنهاءها يجب أن يتم وفق مقتضيات حسن النية، كما تؤكد أن الدخول في المفاوضات لا يلزم الأطراف إبرام العقد، لكنه في المقابل يرتب المسؤولية إذا تمت أو انتهت بسوء نية، وأن تعمد عدم الإفصاح عن معلومات له تأثير جوهري في صحة العقد يعد من صور سوء النية.

ما سبق يعني أن من يتعمد إخفاء معلومة أساسية، أو يدخل في مفاوضات دون نية حقيقية لإتمام التعاقد، قد يواجه مسؤولية قانونية حتى لو لم يوقع العقد في النهاية.

ولتقريب الصورة، تخيل شخصاً يفاوض على بيع مشروع، وهو يعلم بوجود نزاع قضائي جوهري قد يؤثر في استمراره، أو مالك عقار يخفي معلومة تتعلق بحق انتفاع أو قيد قانوني مؤثر، أو شركة تدخل في مفاوضات، وهي تعلم بوجود ظروف جوهرية تؤثر في نشاطها، ففي الحالات السابقة قد لا يكون هناك كذب، لكنه إخلال بواجب الإفصاح الذي يقرره القانون.

ويعزز ذلك ما ورد في المادة 122 التي توجب على كل طرف الإفصاح عن المعلومات الجوهرية التي تؤثر في رضا الطرف الآخر متى كان يعلم أنه يجهلها أو يعتمد عليه في الحصول عليها، ما يعكس توجهاً تشريعياً يهدف إلى حماية سلامة الإرادة وتحقيق التوازن بين الأطراف.

الرسالة التي يحملها هذا التشريع الحداثي واضحة، فالثقة التي تبنى عليها العقود لا تبدأ عند التوقيع، وإنما مع أول جلسة تفاوض، ومن ثم لم يعد حسن النية مجرد مبدأ أخلاقي، بل التزام قانوني على كل طرف.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر