لم نكن نسمع ذلك!

سامي الريامي

تدخل الحكومة في عمل الشركات العقارية ضرورة تحتمها الظروف الحالية، ولعله من الواضح جداً أن ابتعاد هذه الشركات عن عين الحكومة خلال السنوات الماضية هو أحد أسباب أزمة ديونها حالياً، والأمر غير مربوط بالأزمة المالية العالمية فقط، على الرغم من أنه لا اختلاف على أنها السبب الرئيس لكشف غطاء كل مستور في تلك الشركات الكبيرة.

لا أقصد بالتدخل الحكومي هنا إعادة جدولة الديون، بل أقصد تدخلاً شاملاً في هيكلة هذه الشركات، ومراجعة شاملة لجميع الوظائف ومميزاتها والمناصب والأقسام وأعداد الأجانب، ودور كل موظف مقارنة بما يتقاضاه من راتب، وجميع إجراءات العمل، وإجراءات البيع والشراء والتدقيق على الميزانيات وجميع الأموال المصروفة، وكل درهم من أين اكتسبته الشركة، وفي ما أنفقه المسؤولون فيها!

قبل ظهور تلك الشركات العقارية لم نكن نسمع عن رواتب من نوع 100 و200 و300 ألف درهم «شهرياً»، ولم يكن أحد يتخيل أنه سيصل راتب موظف إلى 900 ألف درهم كل شهر، متفوقاً بذلك على أوباما وساركوزي، ومجموع رواتب رؤساء قارة إفريقيا بأسرها ربما!

وقبل تلك الشركات لم نسمع عن مسؤولة عن 20 موظفا تتقاضى 100 ألف، ولم نسمع عن «فراش» ترقّى ليصبح نائب مدير ويتقاضى 75 ألف درهم، في حين كان راتبه 5000 درهم في الشركة نفسها قبل نقلته النوعية، كما لم نسمع عن مبتدئين لا خبرة لديهم يتقاضون 30 و45 ألف درهم، ولم نسمع أبداً عن سلم رواتب يبدأ من 25 ألف درهم مهما كانت الوظيفة سهلة أو بسيطة، ولم نسمع عن رحلات بطائرات خاصة ذهاباً وإياباً للمسؤول دائماً، وعائلته أحياناً، ولم نسمع عن مسؤول يشتري حذاءً بـ28 ألف درهم، من الأموال العامة للشركة طبعاً!

لم نسمع عن كثير من الممارسات التي سمعنا عنها، ولا شك في أننا لم نسمع كل شيء حتى الآن، ومن الأفضل لنا ألا نسمع كل شيء، فالمهم أن تتدخل الحكومة بأي شكل لإيقاف كل هذه الأمور، ولا ننكر أن بعضها قد أوقف بالفعل، لكن مسألة الرواتب العالية والمزايا، مازالت موجودة في بعض هذه الشركات، ومسألة التعيين العشوائي مازالت مستمرة، ومسألة وجود الشخص غير المناسب في المكان المناسب، أيضاً موجودة، والمسألة تحتاج إلى «غربلة» حقيقية للإبقاء على الجيدين، و«تسريح» السيّئين، وما أكثر الفئة الأخيرة في الآونة الأخيرة!

لا مجال للمجاملات على حساب مصلحة الوطن، ولا مجال لاستمرارية الصرف في غير الأوجه الضرورية، ولا فائدة من الاستمرار في تطبيق الهياكل الوظيفية المتخمة والمترهلة، والوقت مناسب جداً لإعادة سلم الرواتب في تلك الشركات إلى الوضع المعقول والمعمول به في بقية القطاعات، من دون تضخيم وتهويل، ولا تقليل أو ظلم لأحد، وكل وظيفة يجب تقييمها ووضع مزاياها وراتبها بناءً على دراسة حقيقية غير مرتبطة بتقييمات الماضي، التي كانت مبنية على مزاج المسؤول فقط لا غير، فمن شاء أعطاه وأغدق عليه، ومن شاء فلا، ولا علاقة بالهيكل أو السلم الوظيفي المرن والمطاط وفق الأمزجة والأهواء!

 

reyami@emaratalyoum.com

طباعة