من المجالس

عادل محمد الراشد

يقال «الصبر مفتاح الفرج». ومن قال ذلك حتماً لم يحصر الصبر في المصائب فقط، ولم يحجّم الفرج في حدود الخروج من آلام المصائب. الصبر قيمة أخلاقية مكّنت الشعوب والأمم التي تجمّلت بها، وخيبت ظن من هجرها.

يوصف الغربيون، والإنجليز خصوصاً، بالبرود، وهو المفهوم العربي المحرّف للصبر. وبسبب ذلك البرود ترسخت قيمة الصبر عند أولئك القوم، فكانت الفتوحات العلمية والحضارية التي قادت إلى فتوحات عسكرية وضعت معظم مساحات الكرة الأرضية في وقت من الأوقات تحت سيطرة الأوروبيين، وأبقت معظم هذه المساحات، إلى الآن، تحت هيمنتهم الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية. وعن شرقنا يوصف الهنود بالبرود، ويحلو للكثير منّا التندّر عليهم بتعريف هذا البرود بالبلادة والبلاهة. وبسبب ما نعتقده من برود وبلادة وبلاهة أهل الهند صارت الهند في ظرف عقود قليلة من الزمان قوة اقتصادية وسياسية وعلمية وعسكرية دولية يحسب حسابها، وقوة إقليمية كبرى. وبقيت دول أهل الدم الحار تحبو على طريق التقدم، وتنتظر آخر ما توصل إليه ذوو الدم البارد من اختراعات واكتشافات وإنتاجات علمية واقتصادية، بدءاً من الصاروخ، وحتى «الفانيلة والإيزار». عرفنا قيمة الصبر في زمن فتوحاتنا السالفة على كل الصعد، فألّف مبدعو عصر النهضة الإسلامية الكثير في الصبر وعدة الصابرين وعديد المثابرين. وعندما قررنا أن نكون من أصحاب «الفزعة» والدم الفوّار ضاقت علينا الدنيا بما رحبت، وضاقت آفاقنا إلى درجة أصبح فيها صغارنا لا يتحملون التركيز مع المعلم داخل الفصل لأكثر من 15 دقيقة، وصرنا نبحث لهذا الخلق الذميم عن تفسير في كتب ونظريات علم النفس والتربية. وأصبحنا نجيد أكثر من غيرنا فن الاعتماد على الغير في كل تفاصيل حياتنا، إلى درجة جعلت أكثرنا لا يعرف أو لا يكترث بكل ما يستخدمه في حياته إلا بمفتاح التشغيل والإيقاف.

لدينا طموحات كبيرة في تطوير تعليم أجيالنا، ولكن هذا التطوير لن يحقق ما نرجوه إذا لم تتدرب الأجيال على التجمّل بالصبر وتحمّل المشاق وإجادة فن انتظار النتائج بدلاً من استباقها.

adel.m.alrashed@gmail.com

طباعة