الاستعارة في الأدب والسينما

قيس الزبيدي

قلّما توجد في المكتبة السينمائية العربية دراسات مؤلفة أو مترجمة حول أي من عناصر السرد الشعرية في السينما، أي حول الأفلام التي جربت في السرد توظيف عناصر فنية مأخوذة من «الشعر»، ويمكننا أن نُميّز في خصال سردية الفيلم تيارين: الأول حاول مخرجوه ابتكار أساليب تعبير من «النثر»، والثاني حاول مخرجوه ابتكار وسائل تعبير من «الشعر».

وهناك أمثلة كثيرة تبين أن الفيلم يجمع في بنيته عناصر سرد نثرية، غالباً ما تكون طاغية، إلى جانب عناصر سرد شعرية مكملة، لأن سرد أية حكاية، يكون في الغالب ناتج حصيلة جدلية للتيارين، على هذا نجد في أكثر الأفلام نثرية، مشاهد مبتكرة تنتمي إلى «الشعر».

السينما كالأدب لها قواعد وتقاليد نشأت خلال ممارسة إبداعية، قادت إلى طريقتين في التعبير عن دلالة الصورة الفيلمية: واحدة توّظف دوالّها وفقاً لطريقة «التعيين» أي المعنى الحرفي للصورة، بشكل تدل فيه على ما تقوله، والثانية، وفقاً لطريقة «التضمين»: أي المعنى المبتكر الثاني للصورة، بشكل تدل فيه على غير ما تقوله. وغالباً ما يستخدم تيار التضمين عناصر تعبير شعرية، كالاستعارة والمجاز والكناية والرمز، مما قد يخلق صعوبة في عملية الاستقبال. كتاب تريفور وايتوك «الاستعارة في لغة السينما» الصادر بالإنجليزية عام ،1990 وبنسخة عربية عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة عام .2005 يعالج الكتاب خصائص الاستعارة الشعرية والإمكانات البلاغية في السينما ويسعى لاكتشافها.

وعلى الرغم من أن الكاتب يؤكد أن الاستعارة، في المقام الأول، هي مفهوم لغوي، وأن الفيلم لا يعمل بالطريقة التي تعمل وفقاً لها اللغات الطبيعيـة، لهذا تأتي إشكالية تطبيق مفهوم الاستعارة، مفهوماً أدبياً، من طبيعة الفيلم غير اللغوية. وعليه فإنه يسمي كتابه «الاستعارة في الفيلم»، بينما يتخذ الكتاب المترجم عنواناً آخر، لا ينسب الاستعارة إلى «الفيلم» إنما ينسبها إلى

«اللغة السينمائية».

لا نريد هنا الحديث عن الأخطاء الفادحة في ترجمة إيمان عبدالعزيز، على الرغم من مراجعة الناقد سمير فريد لترجمتها، فهي أخطاء جديرة بالتنويه، لأنها مصدر معاناة قرّاء العربية في قراءة الكتب المترجمة، سببها ليس فقط سوء الترجمة،غالباً، إنما عدم دقة في ترجمة المصطلحات أيضاً!

يحتوي الكتاب سبعة فصول، خمسة منها تتناول مفهوم الاستعارة وأنواعها في الخطاب السينمائي، ويعالج الفصل السادس نظريات الاستعارة عند ثلاثة من المنظّرين هم: الروسي سيرغي إيزنشتين، والكندي روي كليفتون، والفرنسي كريستيان ميتز، ويخصص الفصل السابع لعلاقة الاستعارة بعلم النفس، لأن وظيفتها تأتي من القدرة على إعادة تمثيل الواقع في بناء الحبكة، التي لا ينحصر دورها في ربط الأحداث بل أيضا في إضفاء المعاني عليها.

يوضح الكاتب، أخيراً، برهانه على كشف الاستعارة، ويصف العملية السيكولوجية عند المشاهد، التي تساعد على فهمها ويسميها «النظرية التخيلية للاستعارة». ليفسر كيف تتم عملية «رؤية شيء ما بوصفه شيئاً آخر»، ويجعلها محوراً لنظريته، فالاستعارات، ليست صوراً بلاغية تأتي في سياق الفيلم بل إنها تعمل، كأداة مساعدة، في كل مستوى من مستويات صياغته الفنية، وتشكل بالتالي، أساس وحدته العضوية.

alzubaidi0@gmail.com

طباعة