أدب للنخبة أم للجمهور؟

أحمد السلامي

قرأت رواية عربية جديدة، أبدع كاتبها في انتهاج أسلوب شيق في سرد أحداثها. سأدع الكتابة عنها بالتفصيل لفرصة أخرى، لكن ما لفت انتباهي هو الموقف الذي أبداه أحد النقاد تجاه تلك الرواية، إذ يرى أن في لغتها قدراً من مغازلة القارئ واستدرار عواطفه، وزاد بالقول إن الكاتب مزج في أسلوبه وموضوعه بين استقطاب النخبة والعامة لقراءة روايته.

ويسري لدى البعض حكم مطلق، ينظر إلى النص الأدبي بوصفه حالة نخبوية، على مستوى الإنتاج والتلقي، وربما كان ماضي الأدب وتهويمات الكهنة والفلاسفة يستدعيان حصر ملكة الإبداع وذائقة التلقي في الشريحة المنتجة لبضاعة الكلام، فتكون هي المنتجة والمستهلكة لبضاعتها في الآن ذاته.

هذا الحكم لايزال يبني جداراً فاصلاً بين النص والجمهور، فيمنح الكاتب مشروعية الغوص في التجريب وإنجاز نصوص تتسم بانغلاق الدلالة، والنأي عن افتراض وجود أي كائن آخر معني بالخطاب.

الحديث عن نخبوية الإبداع يتكئ في الظاهر على التمييز بين مستويات من الثقافة والوعي، مستمداً بقاءه تحت هذا المبرر الذي يفصح عن نزعة طبقية تاريخية المنشأ، لكنها تبدو في اللحظة الراهنة مجرد نزعة تعكس في جوهرها حالة من العجز عن التخاطب مع القارئ الجديد، وأعني به القارئ الذي ردم مسافة معقولة من الهوة التي كانت قائمة بين الخواص والعوام.

نحتاج الآن إلى إعادة تعريف النخبة والنخبوي في ما يتصل بعلاقة الأدب المعاصر بالجمهور، بعد أن تراكم غبار كثيف على هذا المفهوم، وبعد أن صار التشبث به نوعاً من التجاهل لتحولات عديدة، أبرزها أن المنتج الأدبي أصبح بضاعة قابلة للتسويق، ولم يعد حالة فضفضة للترويح عن الذات.

صحيح أن الموهبة في صنعة الكتابة تظل نخبوية إلى حد ما، على الرغم من ازدهار فضاء الإنترنت بآلاف المدونات التي لا يحتاج أصحابها إلى استئذان أحد أثناء الكتابة. لكن ما لم يعد صحيحاً هو القول إن الأدب نخبوي التلقي.

لذلك فإن استنكار مغازلة القارئ يفضح خشية الناقد على النص الأدبي من مغادرة برج النخبة.

أظن أن ما ينقص الأدب العربي اليوم لتكوين قاعدة واسعة للتلقي هو إزالة أسباب سوء الفهم والقطيعة بين الطرفين، وذلك لن يتم إلا بتخفف الكاتب من الزهد عن التلقي، وجعل الرواية والقصة والقصيدة تقارب انشغالاتها بروح من ينجز كتاباً ليقرأه الآخرون وليس ليرضي غرور صاحبه بمقدرته على الإغراق في تهويمات الأنا.

ولماذا لا ننظر إلى الأعمال الأدبية التي يرى الناقد أنها تتخذ التسلل والغزل وسيلة لاجتذاب القارئ باعتبارها كتباً ناجحة؟

وأخيراً.. نستطيع أن نرى الضوء، لكننا نعجز عن ملامسته بأصابعنا، والضوء في الكتابة، وفي الرواية تحديداً، هو ذلك الإدهاش الذي يمنحنا الرغبة في أن نقول شكراً للكاتب الذي يجعل البهجة تشع في أرواحنا.

 

slamy77@gmail.com

طباعة