من المجالس

عادل محمد الراشد

في صيف 1978 قُدر لي أن أتابع مباريات كأس العالم من مدينة الإسكندرية بمصر. وقتها كان المنتخب الوطني التونسي هو «ممثل العرب» في تلك المسابقة الأكثر شعبية على مستوى العالم، هناك أضفت إلى علومي التي تلقيتها في جامعة الإسكندرية علوما أخرى حول مكانة الأمة في وجدان مصر، ومكانة مصر في وجدان الأمة.

نعم.. كان ذلك من مضمار كرة القدم، بعد أن ثبّت التاريخ في سجلاته بشكل لا يقبل المسح أو التزوير ما جرى في ميادين القتال والسياسة والثقافة. وقد كان الدرس واضح المعاني كلما لعب المنتخب التونسي إحدى مبارياته، فمع كل هدف يسجله طارق ذياب وزملاؤه في مرمى الفريق المكسيكي كانت الهتافات تنطلق من نوافذ وشرفات المباني. ولوهلة بدا المشهد وكأن شرفات شارع بورسعيد الذي يقطع وسط المدينة قد تحولت إلى استاد رياضي كبير يهتف فيه المصريون جميعا «للتوانسة» العرب، وكنا معهم نهتف فرحا بالفوز وزهوا بذلك الامتزاج الوجداني والتشابك الانتمائي.

استحضرت هذا المشهد بقوة الصدمة، وأنا أتابع مع كل العرب ما آل إليه الصراع على انتزاع بطاقة تمثيل العرب في مونديال جنوب إفريقيا المقبل بين مصر والجزائر، الذي سيسدل ستاره على المستطيل الأخضر اليوم، وأحسب أنه سيكشف أستارا كثيرة، خلف وأمام كواليس الصراع بتداعيات نتمنى أن تتلقفها أيدي الحكماء قبل الجهلاء، لتعيدها إلى مكانها الصحيح ومستواها الحقيقي.

مباراة الخرطوم الفاصلة تبدو كالموقعة الفاصلة، حشد لها كل طرف من الطرفين آلاف البشر، ونفخوا في مشاعرهم وعواطفهم حتى اقتربت من درجة الانفجار. واضطرت معها سلطات حكومة السودان لاستنفار قواها الأمنية ورفع جاهزية كل أجهزتها.

مشهد تراجيدي يكشف مستوى التسطيح الذي وصل إليه الوعي العربي، ومستوى الأداء الذي هبطت إليه المؤسسة العربية الرسمية، وشكل المهمة التي يراد للإعلام العربي أن يؤديها. فأين هذه الحال من تلك؟

adel.m.alrashed@gmail.com

 

طباعة