وهج الثور

زياد العناني

يبدو أن الوهج السياسي الذي حملته مفردة «الثورة»، خصوصاً في القرن الماضي، قد تغلغل وتمدد في المشهد الإبداعي، وفي الكثير من طياته الشعرية والنقدية أيضاً. حين نقرأ تحولات الشعر العربي المعاصر، منذ المرحلة السيابية إلى مرحلة قصيدة النثر، نبدأ بملاحظة التكرار اللافت لكلمة «الثورة» ما بين السطر والآخر، لنجد أن هذه المفردة التي قلما تستعمل في مكانها مرة تزج في المتن زجا، وفي مرات لا حصر لها.

استطاع الفعل السياسي أن يصنع بينه وبين الفعل الثقافي تسوية تاريخية، ولكن هذه التسوية ظلت غارقة في التباس يتخفى بين مقاصده، ويفتعل جملة من العروض الباهتة التي كانت تتم بطريقة عشوائية، لم ترتبط بالألسوسيو ـ أدبية وبتوجهاتها المفترضة، وكان الادعاء فيها هو المتحدث الأول والأخير. ومن هنا، تسببت هذه التسوية في معارك كثيرة، وحفلت الكتابات النقدية بمفردات، مثل الإقصاء والحذف وقتل القديم، ولم يدر بخلد هؤلاء أن اقتراح الجديد لا يعني قتل القديم، وأن كلمة الثورة بظلالها المستبدة قد حلت بدلاً من ما قد يسمى بالاقتراح الجمالي الذي يعنى ولادات أسلوبية وتعبيرية أخرى، ليس من مهامها أن ترتكب الأفعال العدوانية، أو الأفعال التي تغذي الصراع بطريقة معلنة.

ومن هنا، بقي جملة من الشعراء الكبار آنذاك في منطقة الرفض واستدعاء المحاججات، باستثناء نزار قباني الذي انخرط في كتابة قصيدة التفعيلة من دون أن يصدر بياناً واحداً بهذا الخصوص، في ضوء نجاحات نماذجها.

ربما كان على الثوار من الشعراء والنقاد أن يهتموا باقتراحهم الجمالي، وكيف يدخل إلى الذائقة العربية بسلاسة، وربما كان عليهم أيضا أن يصدروا بياناتهم وهي خالية من الانفعال والجدل الثوريين، وترك الجنس الابداعي الجديد يتعايش، دونما خلفيات حزبية كاذبة تجر المبدع العربي إلى منطقة ضيقة، يكتب فيها قصيدة واحدة، ويضطر بعدها إلى كتابة أكثر من 50 دراسة، للدفاع عنها، واستحضار جذورها ومرجعياتها المحللة.

غير أن السؤال المثير في هذا المجال هو أين ذهب التيارالإبداعي الثالث؟ ولماذا كان بلا صوت، ولم يحاول طرح مشروعه، ليصب في مصلحة الإبداع الجمالي؟ ولماذا أيضا ظل يأخذ دور المستمع الكريم لجوقة هذه المناخات الحربية التي تدرعت وتخندقت، ونسيت أنها تريد أولاً طرح حساسية إبداعية جديدة، وليس منازلة تطيح برموز الجمود، ممثلاً في مرحلته الكلاسيكية، والتجرؤ على التراث بحجج شتى، قد تظهر في الغاطس من كلام الثائر الذي دعا جهراً لأن يكون للعالم العربي أربع لغات جديدة، تحل محل اللغة العربية، أو في كلام آخر، دعا إلى الالتحاق بالغرب، والاندماج بثقافته اندماجاً كيانياً تاماً.

مرة أخرى، أين التيار الإبداعي الثالث في العالم العربي؟ ومتى يمكن أن يستعيد قوته، ويقف مع الذين يريدون أن يقدموا اقتراحمهم الجمالي، مثلما يقف في وجه من يريدون أن يقدموا تجليات المستعمر، من خلال طعن الإبداع بحربة التحرر والمثاقفة والثورة المزيفة التي تأكل الناس ثم تأكل نفسها.

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة