جوع من نوع آخر

أحمد السلامي

قلت من قبل إن من حسنات جائزة «بوكر» في نسختها العربية أنها ترشح للقارئ الأعمال الروائية الجديرة بالمطالعة، ولم يكن مستغرباً أن تأتي رواية «جوع» للأديب المصري محمد البساطي ضمن الأعمال التي وصلت إلى القائمة الأخيرة المرشحة هذا العام للفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر»، بل إن بعضهم رشحها للفوز بالجائزة الكبرى، بدلاً من رواية «عزازيل» ليوسف زيدان.

يبدأ البساطي روايته بوصف البيت الذي تسكنه أسرة مكونة من الزوج والزوجة والولدين، وبتركيزه على الآية القرآنية المكتوبة فوق باب المنزل: «ادخلوها بسلام آمنين»، يحاول أن يعطي معنى أوسع للجوع الذي بات يتفشى، بسبب فقدان حالة السلم والأمن بالمعنى الاجتماعي، ويجعل الزوج «زغلول» منشغلاً إلى حد ما بأسرته، ومنهمكاً في إسكات جوع من نوع آخر، إنه الجوع للمعرفة، لذلك، يظل يتنصت على أحاديث طلبة الجامعة العائدين من المدينة في إجازة «بيقولوا الواحد المفروض ما يشتغلش كل يوم زى الجاموسة في الساقية. لابد يكون عنده وقت يفكر. طب يا جماعة يفكر في إيه؟ ما قالوش. وعايز أسألهم، وأبص عليهم، وأسكت»، ويدخل كذلك في محاورة ملتبسة مع الشيخ رضوان، عالم الفقه والشريعة، بينما تظل الأسرة تقاوم الجوع المقيم في أركان البيت بكسرات الخبز الناشف.

لا شك أن مجمل ما أنتجه البساطي من أعمال سردية تجعله واحداً من أهم الروائيين العرب المعاصرين. وللوهلة الأولى، يبدو موضوع رواية «جوع» من ذلك الصنف الذي ينتمي للقضايا الكبرى، وهو بالفعل من الموضوعات التي تغري الكاتب بالإطناب والاستطراد، لكن الكاتب يقدم لنا رواية مكتملة المعالم وغنية المضمون، في 130 صفحة فقط، تمتاز بالتشويق والرشاقة في السرد، والزهد اللغوي الواضح الذي يتوازى مع أجواء حياة الأسرة الفقيرة المتقشفة التي تتناولها الرواية، كما تعكس لغة المؤلف كذلك مقدرته على استيعاب التحولات الجديدة في عالم السرد، ولعل اشتغاله منذ الستينات على كتابة القصة القصيرة أفاده كثيراً قبل أن ينتقل إلى كتابة الرواية.

ويؤكد البساطي من خلال هذا العمل ـ كما في أعماله السابقة ـ إدراكه بأن عصر كتابة الروايات الملحمية الكبرى انتهى منذ عقود، إذ لم يعد لدى القارئ في الزمن الراهن وقت كافٍ لقراءة ذلك النوع من السرد المعني بوصف الأجواء الاجتماعية والنفسية لأبطال الرواية في مئات الصفحات، وهذا لا ينقص من القيمتين الفنية والجمالية للأعمال الروائية الكلاسيكية المطولة التي تتشكل منها روائع الأدب الإنساني.

لكن الأمر لا يقتصر على ضيق وقت القارئ وتبدل مزاجه، بل إن تحولات جديدة طرأت على أساليب كتابة الرواية خلال العقود الماضية، بعضها مثّل استجابة طبيعية لتطور فن السرد من داخله بحكم التراكم، وبعضها عكس استلهام الرواية لمعطيات أخرى من خارجها، تتعلق بكل ما يعتمل في اللحظة المعاصرة من أفكار وفلسفات وفنون ووسائط حديثة، كالسينما والتلفزيون، وصولاً إلى تأثير تدخلات دور النشر العالمية التي تعتمد على محررين أذكياء، يقومون بإعادة صياغة الروايات بالاتفاق مع المؤلفين، كل هذه التحولات انعكست على انتقاء الراوي المعاصر لموضوع روايته وطريقة تناوله، وهذا ما يفعله محمد البساطي بمهارة وإتقان.

slamy77@gmail.com

طباعة