الدراما المثقلة بالماضي

أحمد السلامي

يحاول الإنتاج التلفزيوني الدرامي في المنطقة العربية أن يتلمّس طريقه نحو النضج والتعدد، وتبرز بعض ملامح النضج في هذا المجال بالقدر الذي تبدو فيه المشاهد البصرية قادرة بمفردها على توصيل المعنى للجمهور، من دون حوارات مطولة بين الممثلين.

أما التعدد فيظهر من خلال التنافس الثلاثي بين الدراما المصرية والسورية والخليجية، إلى جانب الانفتاح البطيء لدى المشاهد في المشرق على المسلسلات المغربية، على الرغم من صعوبة الإلمام باللهجة.

ويلاحظ كذلك أن النموذج المصري في الدراما لم يعد هو السقف النهائي والوحيد لدى من يسعى لاجتذاب عين المشاهد، ومع ذلك يحسب لمصر دورها الريادي في هذا الحقل، وإن كانت الدراما المصرية لاتزال تحتفي بالحوار على حساب الصورة، وبحسب تعليق سابق للمخرج المعروف نجدت أنزور، كان بوسع من تابع مسلسل «أم كلثوم» أن يدير شاشة التلفاز إلى الجدار وسيكتشف أن السيناريو في هذا العمل يعتمد على الصوت ويغفل الدور المحوري للصورة، في حين يمثل الاتكاء على المقدرة التعبيرية للصورة خلاصة الفرق بين الدراما المكتوبة للإذاعة والدراما المكتوبة للشاشة الصغيرة.

وهناك إشكالية أخرى تواجه الدراما التلفزيونية تتصل بمدى مقدرتها على خلق حالة اتساق بينها وبين المشاهد بمختلف مستوياته الثقافية والمهنية، بمعنى أن المطلوب من مخرج المسلسل العربي الكف عن التفكير في أنه ينجز عملاً لتسلية ربات البيوت والمتقاعدين أو العاطلين عن العمل.

وبعيداً عن مؤشرات النضج وملامح التعدد في الإنتاج الدرامي العربي، يمكن القول إن ازدياد عدد القنوات الفضائية وتنافسها جاء ليصب في مصلحة شركات الإنتاج، كما أسهم في تطوير الدراما بعناصرها المختلفة إلى حد ما، والحديث عن التطور هنا لا يشمل بالضرورة حكماً إيجابياً على المضامين في الدراما المنتجة بقدر ما يشير إلى بروز طفرة إنتاجية كمية يبقى الحكم على مضمونها بحاجة لتحليل وتأمل.

غير أن تقنية البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية التي كانت السبب في هذا الازدهار الكمي الملحوظ جاءت متأخرة، وربما لو كان البث الفضائي متاحاً منذ السبعينات لكانت الدراما العربية الآن قد قطعت مراحل متقدمة. على الأقل كان كاتب السيناريو سيبدو متخففاً من الموضوعات والالتزامات التي لاتزال تحاصره اليوم وتفرض عليه الالتفات - من باب الواجب أحياناً- لمعالجة مراحل تاريخية يفترض أن تكون قد عولجت من قبل، بمعنى أن التاريخ القصير لولادة الدراما العربية أدى إلى جعلها مثقلة بالماضي، ولايزال الجمهور هو الذي يتعاطى مع الدراما، وهي التي تفرض عليه مشاغلها وهواجسها وليس العكس، ابتداء من «ليالي الحلمية» وحتى «باب الحارة».

غير أن الانشغال بالماضي قد لا يعكس على الدوام شعوراً لدى مخرج هذا العمل أو ذاك بالواجب تجاه تغطية فترة تاريخية مفصلية من حياتنا، لأن غرق الدراما في الماضي إلى حد إنتاج أجزاء مطولة على مدى سنوات، بات يمثل هروباً من الواقع وتخديراً ممنهجاً لذهن المشاهد.

slamy77@gmail.com

طباعة