سور العرب العظيم

زياد العناني

يبدو أن الالتباس قد صار يأخذ صفة المديونية في كتابات بعض الكتاب ممن قدر لهم أن يلعبوا بـ «البيضة والحجر»، فيخرج منهم من يدافع عن قضايانا العربية، وهو يسدد فاتورة إلى جهة الضد من خلال جرنا إلى جدلية تتطلب منا أن نقف معه ثم نعارضه في آن.

في كتابه «سور العرب العظيم» الصادر أخيراً يذهب الكاتب شاكر النابلسي الى أن سور العزل العربي عن الآخر قد بدأ منذ أن استولى العثمانيون في القرن السادس عشر على بلاد الشام ومصر ثم باقي أنحاء العالم العربي.

ويرى النابلسي أن العرب قد حُجزوا خلفه عن العالم بفضل عملياتهم الارهابية التي بدأت منذ نهاية القرن العشرين، ومازالت مستمرة حتى الآن، مقرراً وعن سابق قصد الخلط بين النضال المشروع والإرهاب، متناسياً وجود المستعمر ومتباكياً على القطيعة «الشرعية» التي تحققت بيننا وبين العالم المتحضر. أما الأنكى من هذا وذاك فنجده واضحاً حين يعزو السبب في وجودنا على قيد الحياة حتى هذه الساعة إلى الثروة النفطية التي يحتاجها الغرب والشرق الصناعي والتي تعد عصب حياة ووقود تقدمه وازدهاره، رائياً أن هذه الثروة قد انقذتنا من الفناء وهي كل ما نستطيع ان نقدمه للعالم، وليس في ايدينا أي إنجاز آخر، متناسياً في خضم انشغاله في جلد الذات أن هذه الثروة ليست موجودة في كل الدول العربية، وأن السبب الحقيقي وراء قوله هذا ربما يكون هدفه الجنوح نحو محاكمة وجود النفط عندنا كمصادفة تاريخية جيولوجية، وهو ما يظهر في طيات كلامه الذي نلمس فيه الرغبة في ضياع هذه الثروة التي يستحقها الغرب ولا نستحقها قطعاً.

إلى ذلك يتطاول النابلسي على التراث العربي الذي ينال منه حين يقول «لا يوجد لدينا غير كتب صفراء نجترها منذ مئات السنين ونكررها لكل جيل حفظاً وتلقيناً».

ويقرر النابلسي أن السبب في تخلفنا يعود إلى العثمانيين، ناقداً جمودهم الذي لم يفتح الأرض العربية على العالم لتكون نهباً للمستعمرالذي يمثل العلم والمعرفة في عرفه، خصوصاً حين يبين أن المستعمر «هنا» لا يكمن في الاحتلال، وإنما يكمن في تخلفنا، بمعنى أنه ليس في الغرب أو حتى في إسرائيل التي زرعت في هذا المحيط لكي لا تقوم له قائمة، معتبراً أن العرب أمة إرهاب من دون أن يكلف نفسه فصل المجموع العربي عن هذه التهمة وتحديد المجموعات الإرهابية لغاية تفضّل القفز على الحقائق بغية توصيف العرب كلهم وبالإرهاب، وهنا مربط الفرس.

كان بإمكان النابلسي أن يفرّق بين النضال المشروع والإرهاب، بما أنه قد أطل على العقل العربي وخبر تلافيفه وطياته، وكان يمكن أن ينتقد خضوع ثلة من العرب الى الاسلام السياسي، وكان يمكن أيضاً أن يفكك طغيان هذه الثلة في الشارع العربي، ولكنه فضل أن يستبدل الممكن كله بالتعميم لكي يقرر بذكاء توصيف العرب بقصور العقل، وهي تهمة يحتاجها الغرب وتحتاجها إسرائيل من أجل تمرير مشروعاتها، خصوصاً حين تخرج من بين ظهرانينا نحن ثم نراها غداً معدة في أجندة سياسية وقانونية تتحدث بلسان عربي وتشارك في فعل إدانتنا.

 

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة