الشعر المادي

ياسر الأحمد

قبل فترة كنت أتصفح الموقع الشخصي للشاعر العراقي سعدي يوسف، وفي إحدى المقالات شدتني عبارة تقول «سعدي يوسف شاعر مادي، يصدر شعره عن نظرية مادية جدلية»، في البداية قلت لنفسي: من الشجاعة الأدبية أن يعترف الرجل بأنه مادي ويحب «الفلوس»، لكني حين أكملت قراءة المقالة انتبهت للمعنى المقصود.

لكن هذا جعلني أتساءل عن ارتباط الشعر بالمادة، في صيغتها الاقتصادية كالنقود والهدايا، وفي صيغتها المحسوسة كالجسد أو الطبيعة. فهل يمكن ذم الشعراء إذا اهتموا بأن يعود عليهم شعرهم وطباعة كتبهم بدخل مادي؟

ولماذا يتم تناول الأمر ببعض الحذر كأنما هو عيب يستحق التواري من فرط سوئه، بينما يستطيع بعض الشعراء في العالم الغربي أن يحققوا دخلاً كافياً من عوائد طباعة أعمالهم وأمسياتهم الشعرية؟

لا ينطبق الأمر على الشعراء والمثقفين عموماً في البلاد العربية، فقلة نادرة تستطيع الاستفادة من تقاطع الثقافة مع المادة دون أن يخل ذلك بوفائها لقيمها، أو يقلل من احترامها لنفسها. بينما يستطيع البعض تدبيج مقالات رنانة في مديح اسم معروف طمعاً أو تزلفاً، حتى إن أحد المواقع الإلكترونية قرر اعتماد باب طريف «لفضح الأدباء المنافقين» كما سماه.

لكن هذا السلوك يستقي جذوره من تقليد عريق في ثقافتنا، فأهم الشعراء الكلاسيكيين كانوا «كبار المنافقين»، ولو ضمهم ذلك الموقع إلى قائمته لاحتاج إلى تضمين أغلب شعرنا العربي.

الجانب الآخر مرتبط بتمازج الشعر بالمادة في صيغتها المحسوسة، جسداً جميلاً يرتفع بنا وينخفض، أو مكاناً نحبه فنضيف عليه من حبنا ما يجعله «جنة الله في الأرض»، أو ربما شيئاً نصفه كما هو دون زخرفة القول كما يفعل الشاعر «غلفيلك» مثلاً، حين يكتب نصاً شعرياً عن الحديد أو النحاس، أو يكتب رؤية شعرية للأوكسجين. يستطيع الشاعر أيضاً أن يكتب عن نافذة وعن زقاق قذر في مدينة، فليست الروحانية قدر الشعراء. ولعل أهم مميزات الشاعر الجاهلي أنه مادي كل المادية، فهو منشغل بوصف ما يريده وما يحسه دون ارتماء بين أحضان «الميتافيزيقا»، فهو لا يهتم بها ولا تشغله، وحين يصور الأشياء المعنوية فهو يختار صيغته المادية الخاصة به، «فهو يصور الروح في شكل الهامة، والعمر الطويل في شكل النسر، والشجاعة في شكل الأسد، والأمانة في الكلب، والصبر في الحمار، والمكر والدهاء في الثعلب»، وامرؤ القيس بالطبع زعيم هذا المذهب وحامل لوائه حتى يوم القيامة كما يروى.

أليس هو القائل متغزلاً:
إذا التفتت نحوي تضوع ريُحها نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفل؟

ربما لذلك سمّى سعدي يوسف أحد دواوينه «حفيد امرئ القيس»، كأنما الشاعر المعاصر في المنافي يدخل في تناصّ عميق مع جده الأول المنفي والمادي حتى الثمالة أيضاً.

ytah76@hotmail.com

طباعة