يرسمون لوحاتهم للسياح

أحمد السلامي

الآخر دائماً في البال، والآخر عند الكاتب هو القارئ أو الرقيب أو الناشر، وأحياناً قد يكون هو المترجم أو القارئ الغربي لدى من يطمحون إلى الشهرة العابرة للقارات.

أما الآخر عند بعض التشكيليين فهو الزبون المحتمل الذي قد يشتري اللوحة، وفي المجتمعات الفقيرة ليس هناك زبون أفضل من السائح.

هل فعلاً هذه هي القاعدة التي يعمل على أساسها بعض الرسامين؟ هذا ما يراه صديقي الكاتب محمود ياسين، كلما تأمل نماذج من الأعمال التشكيلية اليمنية التي لم يكف أصحابها عن التفكير في السائح الأجنبي.

والسائح هنا ليس معنياً بالفن المجرد، كما أنه قد لا يكون بالضرورة مثقفاً بما يكفي للتفريق بين اللوحة ذات المضمون الجمالي وغيرها من الأعمال المستنسخة.

السائح معني بشراء تذكار يدل على عبوره لشوارع هذه المدينة أوتلك. وفي صنعاء، ليس ثمة رمز أو أيقونة معبرة عن المكان أكثر من واجهات البيوت القديمة المزخرفة، والنوافذ المزينة بعقود نصف دائرية مرصعة بالزجاج الملون.

وفي المحترف التشكيلي اليمني، لاتزال أعمال الفنانين تزخر منذ أكثر من ثلاثة عقود بهذه الأيقونات السياحية، لدرجة أنها تلبست عقول الرسامين - على قلتهم- فأصبح الحديث عن الخصوصية المحلية بمثابة مشجب لتبرير التوظيف التجاري لشفرات الماضي التاريخية والمكانية.

فثمة من احتكر طائر الهدهد وقصة الملك سليمان مع الملكة بلقيس، فأصبح الهدهد لازمة أبدية تتكرر في كل أعماله بمناسبة ومن غير مناسبة.

ومجموعة أخرى انغمست في رسم الأزقة القديمة والنوافذ الخشبية الضيقة، وفي هذا الانغماس إعادة إنتاج لما أصبحت تقوم به عدسة الكاميرا منذ زمن طويل.

بمعنى آخر، يمكننا التساؤل حول جدوى الشغف المستمر بتضمين الرموز المحلية في اللوحة التشكيلية، لأن هذا الشغف حين يصبح قاعدة، تتحول معها لوحة الفنان إلى بطاقة سياحية لا أكثر.

ولا شك في أن هناك سوء فهم حاصلاً لمعنى توظيف البيئة المحلية وخصوصيات المكان في اللوحة، ولا أحد ينكر أن هذا التوجه يعد أحد المرتكزات التي تعتمد عليها عين الفنان، لكن هذا الأمر بالنسبة لبعضهم لم يمثل مرحلة قابلة للتجاوز والانتقال إلى مرحلة جديدة، بل أصبح منهجاً ثابتاً أدخل اللوحة في مرحلة من الجمود والرتابة.

تخيل على سبيل المثال أن تظل طائفة من الفنانين المصريين منشغلة برموز الحضارة الفرعونية في كل أعمالها. ما القيمة الفنية للعمل التشكيلي الذي يتكئ على رسم أبي الهول والأهرامات؟

الأمر يتجاوز التكرار والنمطية إلى المتاجرة بالفن، ومغازلة جيب السائح الذي لا يفهم الشرق إلا محنطاً في رموزه وأساطيره.

قد يكون الفنان التشكيلي معذوراً حين يفكر في تسويق لوحاته، وبخاصة إذا كان يعيش وينتج في مجتمع لا يحفل بثقافة الألوان وتعبيرات الريشة، لكن، عليه ألا يتوقع من المتلقي المحلي أن يتقبل هذا النمط التجاري من الفن بدهشة حقيقية.

 

salmy77@gmail.com

طباعة