عجلة لا تدور

أحمد السلامي

تسربت إلى لغة الساسة ورجال الاقتصاد والإعلام مجموعة مصطلحات وجمل جاهزة، تشخص الواقع الاقتصادي في أي بلد كان وفقاً لمعطيات استهلاكية بعيدة عن ظروف وخصوصيات المجتمعات على اختلاف ثقافاتها.

وليس جديداً القول إن هناك عملية قولبة يفرضها الغرب ويصدرها إلى العالم لتحقيق مصالحه، وزيادة هيمنة مؤسساته، ومن بين أبرز المفردات التي جرى تلقينها وتعميمها تلك التي تقسم العالم إلى دول نامية وأخرى متقدمة، وكأن التقدم أو التخلف صفة نهائية مغروسة في جينات الشعوب.

صحيح ان تلازم الفقر مع مشكلة الكثافة السكانية في مناطق من آسيا، إلى الحروب الاهلية والمجاعات في بعض دول إفريقيا تضع هذه الشعوب في خانة البؤس والفاقة، إلا أن الاستعمار الغربي الذي استبدل وجوده العسكري بمواصلة الهيمنة على الموارد لايزال هو السبب الذي يعيق استثمار تلك الشعوب لطاقاتها وثرواتها.

ثم إن معايير التقدم والتخلف لا تنبني في هذا السياق إلا على نظرة أحادية ترى في نمط الاستهلاك الغربي مقياساً للنمو والتطور، في حين يتم تجاهل ثقافات الشعوب الأخرى وأنماطها الاقتصادية المتسقة مع بيئتها وحاجات سكانها.

ولمثل هذه التوصيفات سحرها وجبروتها الذي يسهم في زعزعة ثقة المجتمعات المحلية بثقافاتها ويدفعها إلى الاستسلام لهيمنة الآخر ومقولاته المعلبة، ولم تعد الهيمنة الغربية تقتصر على احتكار الثروة والمعرفة ووسائل العنف والدمار، بل إنها أصبحت ترتكز أيضاً على احتكار وترشيد الحلول المقترحة لتجاوز الواقع الراهن وصولاً إلى التحكم في السيناريوهات المستقبلية التي تحلم بها الشعوب.

وبين المقاييس الجاهزة لتوصيف التخلف والتقدم تنمو في الوعي الشعبي مفاهيم وتصورات شبه نهائية توحي بأن التخلف أصبح قدراً مكتوباً لجغرافيا بعينها!

ومنذ أن وعينا أنفسنا ونحن نستبشر كلما تجدد الحديث عن عجلة التنمية وأنها تمضي إلى الأمام. إلا أن الواقع الراكد في كثير من البلدان التي توصف بالأقل نمواً يشير إلى أن عجلة التنمية تدور في مكانها، وأن العجلة الوحيدة التي كانت تمضي إلى الأمام هي تلك التي كنا ندحرجها في الطفولة ضمن ألعابنا الشعبية.

فهل التنمية لعبة؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا لا يجيد اللاعبون العرب والآسيويون والأفارقة إدارتها باحتراف بدلاً من الحديث عن عجلة لا تدور؟

يبدو أن الشعوب التي ظلت منذ سنوات تتلقف روشتات الغرب بحاجة ماسة لتدوير عجلة الوعي والإدراك بأهمية المخزون المحلي القادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية بآليات تختلف عن تلك التي أوصلت أميركا والدول الغربية إلى الأزمة المالية وتداعياتها المعروفة.

في مقابل هذه التساؤلات، يمكن القول إن الاستسلام للمفاهيم السائدة حول التقدم والتخلف لن يؤدي مع مرور الوقت إلا إلى تعطيل قدرات المجتمعات المحلية وإمكاناتها المكتسبة بالخبرة الحياتية المتوارثة، ويبقى الحل في استنهاض البدائل لمواجهة الخيارات الأحادية والتعميمات التي يصدرها الغرب إلى الشعوب في كل الجهات.

 

slamy77@gmail.com

طباعة