الأبواب الخلفية

ياسر الأحمد

يمكننا أخذ مرض أنفلونزا الخنازير مثالاً على سرعة التأثر والتأثير في هذا العصر، فهذا المرض بدأ في المكسيك، ثم انتقل إلى أميركا وأوروبا، وإلى أماكن أخرى من العالم. ومن زاوية مختلفة، يمكن لانقطاع النفط في نيجيريا أن يضر بالمشروعات في كندا، ويمكن لإضراب العمال في بريطانيا أن يوقف تدفق السلع إلى الخليج. هذا هو العالم اليوم، تأثرٌ بالغ في كل المجالات، لكن، هل نستطيع تطبيق منظومة التأثر والتأثير على الماضي أيضاً، وماذا عن انتقال المفاهيم. لنعرف الجواب، علينا أن نذكر أن الأفارقة ذهبوا عبيداً إلى أميركا، ونقلوا مفاهيمهم الخاصة، وأنتجوا نمطهم الغنائي الخاص على سبيل المثال. وكذلك انتقل كثير من المنتجات عبر ما سمي بالعالم الجديد إلى بقية أنحاء العالم، وسيجارتي التي أدخنها مثال على ذلك الانتقال اللاذع.

تُرى، هل يرتبط هذا التأثر بعلاقات القوة، بحيث يكون الاتجاه أحادياً لمصلحة الأقوى بشكل أزلي.أليس من اتجاه معاكس، بحيث يتأثر الأقوى بسواه. يستشهد المؤرخون بقدرة المسلمين على امتصاص المغول، بعد هزيمتهم عسكريا. ويستشهدون بنمو صناعة البنادق البريطانية في القرن الـ17 بقوة الطلب الإفريقية، بحيث زاد ثراء صناع السلاح بشكل كبير، ثم زادت مساهمتهم في توجيه سياسة بريطانيا الاستعمارية.

لكن، هناك من ينظر إلى تاريخ العالم باعتباره ذهاباً عميقاً في حضارة اليونان القديمة التي أنجبت بدورها روما القوية التي أنتجت أوروبا المسيحية، ومن رحمها ولد عصر النهضة الذي جهّز الأرضية لعصر التنوير الحديث، وهو العصر الذي أنتج لنا الديمقراطية والحداثة والصناعة وصواريخ كروز.

من يرى التاريخ بهذه الأحادية يحاول أن يقدمه باعتباره صيغة رائعة من النقاء الأخلاقي والتفوق العرقي، على الرغم مما بين الفكرتين من تناقض كبير.

بذلك، يتم تجاهل المساهمة التي قدمتها الحضارات المختلفة عن أوروبا، فمنتج غذائي كالتوابل، وهو منتج آسيوي بالدرجة الأولى، ساهم في توجيه أوروبا نحو الهند، وساهم بالتالي في صناعة الإمبراطورية، لكن القروض التي وفرها المصرفيون الهنود ساهمت أيضاُ في تحسن أداء شركة الهند الشرقية الاستعمارية، وهذا عامل يتم طمسه لصالح الطرف الأقوى.

وتجارة التوابل التي قام بها التجار المسلمون في آسيا أيضا وفرت مجالاً لنقل الدين بجانب البضائع، وجعلت بلداناً تدخل الإسلام نتيجة للروابط التجارية مع المسلمين. وتجارة العبيد من النماذج الأخرى حول صناعة التاريخ عبر الأبواب الخلفية، فدولة المماليك المهمة في التاريخ العربي قامت على تجارة العبيد الذين جلبوا صغاراً، ليصبحوا مقاتلين كباراً يقودون الدول.

وفي أميركا، كان الطلب المتزايد على العبيد عاملاً مهماً في صناعة أميركا كما هي اليوم، باعتبار العبيد رأسمالاً رخيصاً ومتاحاً، لكن، من المهم تذّكر الدور الإفريقي في صناعة الظاهرة، فحكام القبائل في إفريقيا كانوا يستغلون هذه التجارة، ويسهلونها للتجار الأوروبيين، ويفرضون رسوماً كبيرة عليهم بالمقابل ما أدى لإفلاس بعضهم.

إذاً، هناك دائماً أبواب خلفية يصنع الحدث عبرها، وهناك أشخاص وجماعات ومنتجات تساهم في صناعة التاريخ بشكل غير مقصود، لكنه مؤثر، والنتيجة أن بوابات التاريخ تفتح أحياناً بمفاتيح أصغر من تصوراتنا الكبيرة.

 

ytha76@hotmail.com

طباعة