لعنة الخنازير!

    جورج فهيم

    من بين جميع المرضى الذين أصيبوا بأنفلونزا الخنازير، فإن حالة الاقتصاد العالمي هي الأخطر ودرجة حرارته هي الأكثر ارتفاعاً، وكأنه قد كتب عليه أن يخرج من تأثير الكوارث التي يصنعها الإنسان ليسقط في براثن الكوارث التي تصنعها الطبيعة، وأن يفلت من الآثار المدمرة للحروب لينزلق إلى الآثار المهلكة للأوبئة، وليس هناك توقيت أسوأ لتفشي المرض من التوقيت الحالي الذي يرزح فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة أزمة ركود طاحنة أكلت الأخضر واليابس.

    وقد يكون من السابق لأوانه السعي إلى قياس أثر أنفلونزا الخنازير في أوضاع الاقتصاد العالمي، لأن خطورة الوباء تتطور بسرعة وتتسع رقعة انتشارها من بلد إلى آخر، ولكن الحكمة تقتضي دائماً أن نمتد ببصرنا إلى ما هو أبعد من موطئ أقدامنا، لأن من لا يملك الفلك لا ينجو من الطوفان.

    وحسب الأرقام المعلنة، فإن وباء «سارس» الذي تفشي عام 2003 ،ودام لمدة ستة أشهر فقط، واقتصر على دولتين فقط هما هونغ كونغ والصين، كلف العالم نحو 60 مليار دولار، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كم يتكلف الاقتصاد العالمي نتيجة وباء بحجم أنفلونزا الخنازير؟

    وعلى الرغم من أن عدد المصابين بالمرض في الوقت الحالي لا يتجاوز بضع مئات في نحو 10 دول، فإن آثاره تمتد بسرعة البرق إلى جبهات اقتصادية عدة، في مقدمتها أسواق المال العالمية التي عادت إلى اهتزاز الثقة بعدما كانت قد باتت تستبشر خيراً ببوادر التعافي، وقد تجاوزت نسبة الانخفاض في أسعار أسهم بعض الشركات أكثر من 20٪ بين عشية وضحاها.

    وبالتأكيد فإن هناك صناعات منكوبة كتب عليها أن تدفع ثمن ما لا تفعله وأن تحصد ما لم تزرعه، وأقصد بذلك صناعة الطيران التي فقدت في العام الماضي فقط أكثر من خمسة مليارات دولار من إيراداتها، وهو أدنى مستوى تصل إليه من 30 عاماً، ولا أعرف ماذا يمكن أن يحدث لهذا القطاع الحيوي إذا تحول المرض إلى وباء عالمي ورفعت منظمة الصحة العالمية درجة الخطورة إلى الدرجة السادسة التي تقتضي حظر الطيران وإغلاق الحدود. وإلى جانب صناعة الطيران فإن هناك صناعة أخرى منكوبة، وهي صناعة اللحوم التي تقدر بمليارات الدولارات، فرغم التأكيدات الطبية أن العدوى لا تنتقل بأكل اللحوم، إلا أن العديد من الدول مثل روسيا والصين وكوريا سارعت بفرض حظر على الواردات، وهناك دول أخرى تستعد لاتخاذ خطوات مماثلة، بل إن بعض الدول بدأت بإعدام كل القطعان الموجودة لديها، وهذه الإجراءات ستلحق مزيداً من الضرر بحركة التجارة العالمية وتطيل عمر الركود.

    وأخيراً وليس آخراً، فإن نظم الرعاية الصحية في مختلف أنحاء العالم، والتي تعاني من استنزاف خطير في الموارد، مطالبة الآن بتوفير مليارات الدولارات اللازمة لمواجهة الوباء في صورة أدوية ومعدات وأقنعة واقية وإجراءات تطبق على الأرض.

    وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن تفشي وباء عالمي يؤدي إلى مقتل 1٪ من سكان العالم فقط، يمكن أن يكلف الاقتصاد العالمي ثلاثة تريليونات دولار، أي ما يعادل نحو 5٪ من إجمالي الناتج المحلي، وربما يرى البعض أن مقتل 1٪ من سكان العالم أي ما يعادل 70 مليون شخص أمر مستبعد تماماً في الوضع الحالي، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار سرعة الانتشار الرهيبة التي يمكن أن يكتسبها المرض إذا استطاع الفيروس أن يحور نفسه وينتقل من الإنسان إلى الإنسان مباشرة، فإن كل الاحتمالات تظل قائمة، ويكفي فقط أن نقول: إن فيروس الأنفلونزا الإسبانية الذي ضرب العالم عام 1918 قتل نحو 50 مليون شخص.

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة