مسار الأزمة ومسار الحل

    جورج فهيم

    المثل الشعبي يقول «الضربة التي لا تقصم ظهري تقويني»، هذا المثل ينطبق بصفة خاصة على تعامل دبي مع الأزمة الاقتصادية العالمية، وقد استمعت إلى مسؤولين إماراتيين يقولون الحمد لله لأن الأزمة جاءت مبكراً لتكشف مواطن الخلل وتسمح بتصحيحها قبل فوات الأوان وبأقل خسائر ممكنة.

    ومن المؤكد أن هذا الشعور الذي تمليه الثقة بالنفس يعكس خروج دبي من مسار الأزمة إلى مسار الحل، والأرقام تشهد بذلك، ففي الوقت الذي كانت فيه كبرى الدول تحقق نمواً صفرياً أو حتى تنكمش، حقق الاقتصاد الإماراتي نمواً بنسبة 1٪ خلال الربع الأول من العام الجاري الذي يمثل ذروة الشعور بالأزمة.

    ومن المفارقات أن دبي مثلما كانت نموذجاً مميزاً في التنمية له سماته على المستوى الدولي، أصبحت أيضاً نموذجاً مميزاً له سماته في التعافي والخروج من الأزمة في زمن قياسي من خلال سرعة التدخل الحكومي وتوفير السيولة والتأمين على الودائع وزيادة الإنفاق الحكومي.

    وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن كل شيء على ما يرام، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وإنما هناك عدد من الدروس المستفادة التي يتعين دراستها في تجارب الدول الأخرى وأساليب تعاملها مع الأزمات ـ سواء الحالية أو السابقة ـ وبصفة خاصة اليابان والولايات المتحدة.

    وفي تقديري، فإن أهم ما كشفت عنه الأزمة هو الحاجة الملحّة لوجود جهاز استخبارات اقتصادي وطني قوي مهمته حماية الاستثمارات الخارجية من خلال مراقبة الأسواق العالمية ورصد الفرص وتحليل المخاطر ورسم السيناريوهات المحتملة وصياغة بدائل الحل أمام صانع القرار، وأثبتت التجربة أن اعتماد الشركات التي تستثمر في الخارج على مستشارين أجانب لتقديم النصح كان مخيبا للآمال، فرغم ملايين الدولارات التي حصلوا عليها عجزوا عن تقديم أبسط النصائح، بل وكانت لبعضهم ولاءات مزدوجة بحكم عملهم السابق في المؤسسات المنهارة، ما حال دون نزاهة أحكامهم.

    وفي تقديري أيضاً، فإن تجارب الدول الأخرى تشير إلى ضرورة وجود جهة حكومية تقوم بشراء الأصول الفاسدة لدى الشركات المتعثرة وإصلاحها وإعادة بيعها في الأسواق عندما تسمح الظروف، لأن ترك عملية بيع هذه الأصول للشركات المتعثرة ذاتها سيؤدي إلى حالة من التدافع في السوق ويطلق دوامة جديدة من عمليات انخفاض قيمة الأصول وتراكم المديونيات، ويجب ألا نوهم أنفسنا بأن حماية الاقتصاد وإنقاذ الجهاز المصرفي تعنيان تحرير شيك على بياض لكل الوحدات الجيدة والسيئة، لأنه من دون السماح بالاختفاء المنظم للوحدات المصرفية الضعيفة، أو على الأقل اندماجها في وحدات أكبر، سيظل هاجس الإفلاس قائماً، وستظل عقدة الشك مستعصية، مهما كانت ضخامة جهود الإنقاذ.

    وأعتقد أن الدرس الأساسي الذي يجب أن يتعلمه العالم، شرقه وغربه، هو الحاجة الماسة إلى تطهير مهنة المحاسبة من الأساليب والطرق الملتوية في التقويم والتقدير، والتي كانت سبباً في الأزمة عندما حولت الخردة إلى أحجار كريمة، وجعلت المفلسين أصحاب ثروات ضخمة؛ ومن دون هذه الخطوة سيظل الحجم الحقيقي للديون المعدومة والأصول الفاسدة غير معروف، وستظل الأسواق تدور في حلقة مفرغة إلى ما لا نهاية.

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة