العين الثالثة

قيس الزبيدي

مصطلح «الفوتوغرافيا» يوناني الأصل، ويعني «كتابة النور»، والفوتوغرافيا تعمل بوساطة «عدسة» على تسجيل صورة واقع في لحظة زمنية. وقاد نجاح تسجيل «نسخة» مماثلة للواقع الفيزيائي وللإنسان نفسه، في الوصول إلى «السينماتوغرافيا» أي الصورة المتحركة. وأخذت صورة العالم الخارجي تتشكل، مع ظهور التصوير الآلي، حسب أندريه بازان، من دون تدخل ذاتي خلاق من طرف الإنسان: حضور الموضوع وغياب الذات. وجد سيغفريد كراكاور أن أول مكونات السينما الأساس هي فوتوغرافيا، لا تفعل سوى تحنيط زمن الأشياء والناس.

يكتب رولان بارت في «الحجرة المضيئة»: «أحب الصورة الفوتوغرافية أكثر مما أحب السينما، مع اني لم استطع أن افصل بينهما. في البداية وجدت: ما تعيد الصورة الفوتوغرافية إنتاجه، هو ما يحصل مرة واحدة فقط، إنها تكرر ميكانيكياً ما لا يمكن تكرار وجوده أبداً (...) إن كل ما يمكن أن تريه عين الصورة للعين وكل ما يمكن أن تجسده هو غير مرئي دائما، هو ليس كما نراه في الصورة (...) فالصورة لا تسترجع الماضي ولا يتم تأثيرها فينا عبر ما تعيد إنتاجه وما تحفظه، بل إن ما نراه، حسب قناعتنا، هو ما كان موجوداً هنا بالفعل».

لا يتساوى الموضوعي مع الواقعي، فالموضوعية تشمل كل الواقع، كما لا يتساوي الذاتي مع اللاـ واقعي، إن كلاً من الموضوعية والواقعية هما في الأساس مقولتان، وحينما نفصل بينهما، نظرياً، فلكي نبين خواصهما إلى تلك الدرجة، التي تتعارض فيها المشابهة السريعة في وعينا.

الموضوعية هي أيضا مقولة فلسفية، غير أننا نستعملها لنؤكد أن المعلومات المتضمنة في الصورة الفوتوغرافية تعطي، بغض النظر عن ذاتية المصور، الواقع الطبيعي من دون تدخل، كما أنها تعني أساساً أن طبيعة الفوتوغرافيا الخاصة هي ما يميزها بشكل مفيد عن بقية فنون الصورة اليدوية. أن يرى جهاز الرؤية الإنساني بعينين، بينما ترى الكاميرا بعين واحدة، يسميها بارت «عيناً ثالثة» أصبحت وسيلة لاكتشاف الحقيقة. وتخلصت طريقة التصوير التقنية، بفضل إتقانها، من الخيال الذاتي، وأنتجت نسخة واقعية دقيقة ليس لها مثيل، جعلت العالم يرى ويتعرف إلى نفسه كما في مرآة.

يلاحظ بارت أن الفوتوغرافيا هي ناتج أو حصيلة ثلاثة نشاطات: العارض أي المصور، والمشاهد، وما يُصور أي المرجع. والغريب ان الناس غالبا ما كانت تتحدث، قبل اختراع الفوتوغرافيا، عن وجود نسخة ثانية من الإنسان.

هل تعود الصورة للموضوع أم للمصور؟

تكتب سوزان سونتاغ في «حول الفوتوغرافيا»: «إن التصوير يعني الاستيلاء على الموضوع المصور، ولا تبدو الصور بمثابة أخبار عن العالم، بل انها قطع من العالم، منمنمات من العالم، تكتسب قيمة، تُشترى وتُنقل ويُعاد إنتاجها. وبوسع كل امرئ أن يصنعها أو يقتنيها، يصغرها أو يكبرها، يقصها أو يروتشها، يتلاعب بها أو حتى يزوّرها. إنها تلصق في البومات وتبروّز وتوضع على مائدة أو تُعلّق على حائط أو تُعرض كـ«دياس»، تُطبع في الصحف والمجلات وتُعرض في المتاحف وتُطبع من قبل دور النشر وتحفظها لنا الشرطة في أضابير».

alzubaidi0@gmail.com

طباعة