خيانة مزدوجة

أحمد السلامي

قيل إن في الترجمة قدر من الخيانة، وإن من يتصدى لترجمة قصيدة أو رواية من لغتها الأصلية إلى لغة أخرى كمن يريك الوجه الخلفي للسجادة.

ولأن للسجادة وجهين فقط، فأي وجه يرينا إياه أولئك الذين يترجمون رواية يابانية إلى اللغة العربية نقلاً عن اللغة الفرنسية؟ أو قصائد كتبت بالإسبانية وينقلونها عن الإنجليزية؟

معنى ذلك أن بعض المترجمين العرب يمارسون أقسى درجات الخيانة، وبالذات أولئك الذين لا ينقلون النصوص عن اللغة التي كتبت بها، بل عن لغات أخرى وسيطة، بمعنى أنهم يمارسون بترجماتهم المغشوشة نوعاً من الخيانة المزدوجة، بل إنهم يخونون الخيانة ذاتها.

وفي ملمح آخر من إشكاليات الترجمة أو الوجه الثالث للسجادة، نصادف أحياناً أكثر من ترجمة عربية للعمل الأدبي الواحد، وذلك لا يعني أن العالم العربي أصبح يعجّ بالمترجمين، بل إن المسألة تحولت إلى تجارة وإلى نوع من التحايل، وعلى هذا المنوال تعمل دور نشر مجهولة بدأب وإصرار على استغفال القارئ بإصدارها ترجمات مختصرة لروايات عالمية شهيرة تتألف من مجلدات ويتم اختزالها في صفحات قليلة تحمل العنوان ذاته.

إلى ذلك هناك مسافة زمنية شاسعة تفصل بين الترجمات في المكتبة العربية والأدب العالمي، فما نحتفل اليوم بقراءته من الأدب الألماني يوشك أن يتحول في ألمانيا إلى تراث، لأن توقّف المترجمين عند حدود تجربة الروائي الألماني غونتر غراس يشبه توقّف الغربيين عند روايات نجيب محفوظ، وهنا تبرز إشكالية فشل المترجم العربي في مواكبة الجديد، وهذا ينطبق أيضاً على ما يترجم من الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية، إذ تجد أن أحدث الروايات المترجمة إلى اللغة الإيطالية كمثال لم تتجاوز حتى اليوم أعمال نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف ومن في مستواهما، هذه معلومة جاءت على لسان كاتبة إيطالية مهتمة بالأدب العربي.

وفي سياق احتفالنا بالنماذج الأدبية التي انقرضت في منشئها، تحضر قصيدة الهايكو اليابانية، ذلك الشكل البسيط الذي عزله البعض عن المنظومة الثقافية التي ولد في إطارها وتدثّر بخصوصياتها، ونقل لنا المترجمون اندهاش الغربيين بهذا اللون الأثري من الشعر فأغرم كثير من شعرائنا باستنساخه على عجل، وكأن القصيدة العربية تعاني أزمة تاريخية تتعلق بندرة الأشكال والقوالب.

ومن الطريف أن إحدى الجهات الثقافية العربية أعلنت أنها تنوي ترجمة مختارات من الشعر النبطي، وهكذا نردّ على الأوروبيين واليابانيين بتصدير ما يفوق شعرهم حكمة وجزالة.

واستطراداً في وصف حجم الخيانة التي يقترفها بعض المترجمين، أختتم بسرد موقف ظريف، مفاده أن حشداً من الأدباء والشعراء العرب تحلقوا حول أديب ألماني كان في زيارة لعاصمة عربية، وتولى دفّة الترجمة بين الطرفين أستاذ جامعي راحل كان يجيد الألمانية بطلاقة، وكان أحد الشعراء يتباهى أمام الضيف بسعة اطّلاعه، فذكر اسم كاتب ألماني قال إنه قرأ كل رواياته، حينها ضحك الضيف وقال إن كل روايات ذلك الكاتب كانت موجّهة للأطفال.
طباعة