قوانين من أجل الأزمة

باسل رفايعة

أكتب للجمعة الرابعة عن الأزمة المالية العالمية، فيما تواصل شركات في القطاع الخاص في كل مكان في الكون طرد آلاف الموظفين، وتثبت أنها الوجه الأكثر توحّشاً للرأسمالية، وأن الدول حول العالم ارتكبت خطأً فادحاً حين سلّمته مقاليدها دون قيود وضوابط تحمي القوى الاجتماعية من الجوع والانسحاق.

صحيح، أن الأزمة تعبير عن انهيار الاقتصاد العالمي، ولكنها أيضاً فتحت باباً للذرائع في الاستغناء عن خدمات موظفين، وفي قطاعات لم تتلقَ ضرراً مباشراً، ولكن مسؤولي الشركات فضلوا أن تتلقى القوى البشرية الخسائر قبل موازناتهم، ذلك أنهم لن يتلقوا أي لوم مادامت الأزمة المالية سبباً، يسهل الاعتماد عليه، والركون إليه لإقناع الدول والمستهلكين بمشروعية الإجراءات.

في الإمارات، قررت الحكومة أول من أمس التصدي لفصل الموظفين المواطنين من القطاع الخاص، واتخذت تدابير قانونية، تؤكد أن وزارة العمل تعرف منذ قديم الزمان طبيعة الحيل والمبررات التي تلجأ إليها الشركات حين تقرر إنهاء خدمات الموظفين، وهذه المرة هم مواطنون يحقّ لهم قبل غيرهم العمل في بلادهم، ولا مكان آخر يستطيعون الذهاب إليه، بحثاً عن فرصة عمل.

الوزارة لجأت إلى قانون العمل، وهو قادر على حماية المواطنين والمقيمين أيضاً من تعسّف الشركات، ومن استغلالها للأزمة، والتصرف دون اعتبار للكلفة الاجتماعية والإنسانية على شرائح كثيرة في الدولة. وأرى أن الوزارة قادرة على ذلك، ومؤهلة لمنع الشركات من تضخيم سوق البطالة.

الإمارات، وخصوصاً في أبوظبي ودبي قطعت مسافة بعيدة في الانفتاح، وهيأت بنية تحتية ومشروعات استثمارية، وقاعدة عقارية لاستيعاب مئات الآلاف من البشر من مختلف الجنسيات والأعراق، ولا مجال للتراجع عن هذا الخيار في دلالاته الحضارية والاقتصادية والثقافية، لأن الأزمة المالية مؤقتة، وستعبر بأقل ضرر، شأنها شأن حروب وأزمات أخرى، ولأن الدولة أعدت أرضاً صلبة تمكنها من احتواء التداعيات العالمية، وتحويلها لاحقاً إلى ميزات لبقعة جغرافية قادرة على امتصاص الكوارث العالمية، وتحويلها مزايا للقاطنين على أرضها.

وبعيداً عن التهويل والمبالغات التي تحدّث عنها إعلام دول بعيدة وقريبة، فإن عدد الذين خسروا وظائفهم جراء الأزمة في الإمارات لايزال قليلاً جداً، مقارنة بحجم الاقتصاد وأرقام الموظفين والعمال، والورشة التشغيلية الضخمة في طول البلاد وعرضها. وعليه فإن الدولة قادرة بقوتها الاقتصادية، وبمصداقيتها السياسية في الإقليم والعالم أن تضع قوانين إجراءات للعبور من الأزمة، وتثبت مجدداً أنها راكمت خبرات دولة حديثة قادرة على منع قوى السوق الرأسمالية من الهيمنة على المجتمع، ومنع كثير من شركات القطاع الخاص من التذرّع بالأزمة والاختباء خلفها في طرد المواطنين والمقيمين من وظائفهم.

الانفتاح الاقتصادي، ومنطق الأسواق الحرة لا يمنعان أبداً من تطبيق القانون، ومن يقرأ قانون العمل الإماراتي يجد ضوابط ومحددات للاستغناء عن الموظفين، ليس من بينها الأزمة المالية العالمية.

والأهم، أن ما كان يصلح من أفكار وقيم اقتصادية قبل الأزمة ربما لم يعد صالحاً الآن، وحضور الدولة بقوة في سوق العمل وضبطه والتدخل فيه ليس عيباً، بقدر ما يشكل حماية للأمن الاجتماعي، وللمستقبل الذي اختارت الإمارات أن يكون مختلفاً، وغزير التنوّع، وشديد التنافسيّة.

 

baselraf@gmail.com

طباعة