صقل المرآة

ياسر الأحمد

في طفولتنا، هناك أفكار معينة ونصوص محددة تنقضّ على عقولنا بشدة، وتسهم في بلورة المرآة الخاصة بكل منا على حدة. هناك النص الديني، والنص الشعري، وأحداث التاريخ ـ إذا وافقنا على اعتبارها نصوصاً فاعلة بشدة ـ وهناك النص الاجتماعي المتمثل بالحياة الاعتيادية اليومية بما تحمله من رسائل شفهية صغيرة ومستمرة.

النص الديني يحيلنا إلى إيمان مسبق ومعدّ سلفاً بحسب ما رآه السلف، والنص الشعري الكلاسيكي يضعنا في مواجهة طواغيت شعرية تمجد السلف، وكتب التاريخ تخبرنا أن السلف كانوا خير أمة، والحياة الاعتيادية توهمنا أن المجتمع بعافية وسلامة.

لكن ماذا خلف هذه المرآة المشوّشة؟ ولماذا لم نعد نرى من المرآة أكثر من تهشمها وتشوه الصورة؟ هل نستطيع صقل المرآة لتقدم لنا صورة أكثر صدقية وأكثر «تبلّرا»؟ وكيف نستطيع أن نحلم بالكلمات الرائعة بينما تُظهر لنا المرآة مسخاً؟ بمعنى آخر هل تقدم لنا مرآتنا الداخلية صورة شاعرية لواقع بشع؟

وإذا كان وعينا قد نضج على عذرية جميل وبثينة؛ فكيف سنحترم صبوات الجسد؟ ألا نزال حتى الآن نرى العاشق الكامل عاشقاً ميتاً في انعكاس واضح ومستمر لنصوص العشق الكلاسيكية منذ العصر الجاهلي ، مع أن الواقع يرمي بنا نحو اختلاجات لذةٍ أهم من موتٍ صوفي مشتهى؟

وكيف سنقدر صرامة ديكارت الفلسفية ما دمنا قد غرقنا في بحور الحلاج، ترى هل نستطيع الجمع بينهما؟ وهل من صراع بين الزوايا المعتمة في عقولنا والزوايا التي نعلن عنها؟

المشكلة أننا نأخذ استعارات شعرية لنواجه بها طوفان العالم، أحب الشعر لكنه لا يستطيع تفسير العالم، ولن يضعنا التفكير الميثولوجي ـ الشعري كما يسميه الباحث الإيراني داريوش شايغان في سياقٍ ثقافي معاصر، لأنه يكتفي بنوره الخاص، ويحول مقولته إلى أدلجة خاصة به من دون أن يقبل بتعرضها للنقد والأسئلة، والأقسى أنه يضع العنف في مقدمة مسوغات وجوده، ويمارسه اجتماعياً وثقافياً عبر حصر المشروعية بموافقته الحصرية. وهذه مشكلة كل أيديولوجية، بما فيها الأيديولوجية الديمقراطية التي تقدم لنا الخيار الديمقراطي ثنائية للصراع بين الخير والشر، والأيديولوجية الشعرية التي تقدم لنا النص الشعري إشباعاً مسبقاً للغريزة أو للتوقع، ليصير نصاً خامداً وخالياً من المفاجأة والدهشة واللعب بالكلمات.

لذلك نحتاج إلى صقل المرآة لنبصر الماء القذر كما هو من دون أن نسميه جبل الثلج، ونبصر القتل كما هو من دون أن نسميه اغتصاباً للعالم بسطوة الغيب. ولنرى الفجوة بيننا وبين سوانا كما هي فعلاً من دون أن نردمها بجلد الذات ولا بأوهام التفوق. ولنرى الفقر دون أن نغطيه بأسمال القناعة.

ترى كم من حجر نحتاج لنصقل المرآة أو ربما لنكسرها؟

 

ytah76@hotmail.com

طباعة