عماء ثور

زياد العناني

ربما تعكس الحوارات جزءاً من الجانب التنظيري للشاعر، إن لم تقع في دائرة الشوفينية وتتحول إلى هلوسات وشتائم، تنتهك حق الآخرين وتقلل من شأن إبداعاتهم أو حياتهم بنزق لا يُحتمل.

فالحوارات المقروءة والقريبة من القلب والذائقة هي التي تحفّ بها الارتجالية من كل جوانبها، وتقول البساطة قبل التعقيد، الذي يتمظهر وكأنه الأهم في مدّ الجسور نحو التفاهم الإنساني.

ثمة شعراء يريدون أخذ العصافير كاملة مع الشجرة، وثمة آخرون يقفون على طرف التواصل بشهادات كبرى لا تتفحص الذات، ولا تنقدها وليس فيها أي نقض لأي فكرة من الأفكار المعتنقة.

قبل أيام قرأت حواراً مع الشاعر السوري الصديق صالح دياب، الذي قرر فجأة أن يترك سرة الوطن مع حبلها، ويضيع ضمن فكرة خلبية إلى الحد الذي يعني أنه قد تحرر أو في الطريق إلى الحرية، من مكان لم يجد فيه غير أزماته الشخصية وليست الوطنية.

لم يقل إنه ضحية، لم يقل إنه ناضل من أجل الجميع وراح «يوضب» نفسه في باريس، فكان له ما أراد، مع أنه لم يكن يعرف شخصاً واحداً، كما أنه لم يكن يتكلم الفرنسية ولا الإنجليزية، ولم يكن معه سوى ٤٠ دولاراً، ولكنه قذف بحياته كاملة في الفراغ ولم يندم على شيء، ولم ينهمك في الحديث عن مشاعر المرارة الوطنية بافتعال؛ لأنه أصلاً أراد حياة أخرى فيها اندماج وعلاقات إنسانية ومتوحشة سواء في البر أو البحر، بعد أن فهم أن القراصنة هم اليابسة التي تلوح لنا من بعيد.

وعلى العكس من صالح دياب ثمة شعراء يذهبون إلى دول العالم لأيام معدودة يكتبون عن الاغتراب، والأنكى أن منهم من يذهب إلى مدن العالم على نفقة دولته فيكتب نصاً مائعاً يروي فيه عذاباته مع السلطة واضطراره الأكيد إلى الهرب من سجونها.

كل هذا يتم ويتم مع شعراء «موضة» يبحثون عن مطرح ثوري في الزمن المضبوع بعد خروجهم من بلادهم، وإن لم يجدوه، فلا بأس أن يجدوه في بلاد قد تحد بلادهم.

ألوان كثيرة تسيل نحو هذا العماء تجعلنا نسأل: هل من الضرورة أن يناهض الشاعر بعد أن يخرج من بلاده حتى يُحسب عند الناس شاعراً؟ وهل هذا يعني أن شعراء السويد أو الدول الاسكندنافية مثلاً يلعبون بأصابعهم ولا يكتبون الشعر لأنهم بحاجة إلى ديكتاتور قاتل كي يكتبوا كما يجب.

تعبنا من شعر المعارضة، ومن كُتاب المعارضة، ومن مغزى المعارضة التي قد تكون ضد الديكتاتور العربي وتجلس مع الديكتاتور الأجنبي في دبابة واحدة.

تعبنا من التخوين والمزايدة والمتاجرة بالنقاط العدمية في المتن العربي المنكوب بنظامه العربي والثوار الجدد، إلى الحد الذي يجب أن يتوقف فيه بعض الشعراء الذين فضّـلوا مدن العالم على مكانهم الأصلي عن ذرف الدموع «البصلية» على الوطن؛ لأن خروجهم منه يعني أن على الناس جميعاً أن يخرجوا منه إلى المنفى كي يلتحقوا بقطار التحرير أو الثورة.

 

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة