العلاج أخطر من المرض؟!

    جورج فهيم

    لا شك أن أزمة ركود الاقتصاد العالمي موجعة، لكن ما يجعلها قاتلة حقاً ليس الركود في حد ذاته، وإنما سيكولوجية الخوف والتعاطي الخاطئ مع الأزمة، التي كانت منذ البداية سبباً في استفحالها وتحوّلها من مجرد تباطؤ اقتصادي في قطاع واحد ـ هو القطاع العقاري ـ إلى أزمة عالمية يرزح تحت وطأتها كل من يعيش على كوكب الأرض.

    وهناك إجماع بين أغلب الخبراء الاقتصاديين في مختلف أنحاء العالم على أن الخسائر التي تكبدها القطاع العقاري الأميركي، الذي يبلغ حجمه 23 تريليون دولار، لم تكن في أسوأ الأحوال لتمحو أكثر من نسبة 1.3٪ من إجمالي الناتج المحلي الأميركي، لكن ما حولّها حقاً إلى أزمة عالمية هو حالة الخوف والهلع التي أصابت المؤسسات المالية المتورطة في هذا القطاع، والتي أجبرت المستثمرين على سحب أموالهم طلباً للنجاة، وكان ذلك بمثابة هزيمة ذاتية هوت بقيمة الأصول بسرعة هائلة، وخلقت دوامة من عدم الثقة لم يعد معها أحد يقرض ولم يعد معها أحد يقترض.

    وللأسف الشديد فإن فيروس التعاطي الخاطئ مع الأزمة نجح في استنساخ نفسه وعطّل قدرة الشركات على التعاطي مع الأزمة بواقعية ودفعها إلى تطبيق إجراءات خاطئة تضر أكثر مما تنفع، وتوسع نطاق الركود بدلاً من أن تحتويه، وتضاعف من آثاره بدلاً من أن تتفاداها.

    ووفقاً لدراسة أجرتها شركة «بوز أند كومباني» العالمية، فإن نسبة 65٪ من الشركات على مستوى العالم تطبق إجراءات خاطئة لمواجهة الركود، فالشركات الضعيفة والمتعثرة لم تتخذ أي إجراءات لتوليد مزيد من النقد لديها على المدى القصير، سواء ببيع الأصول غير الضرورية أو حتى السعي لتأمين التمويل الخارجي، بل على العكس، ورّطت نفسها في مغامرات توسعية تحرق النقد القليل المتوافر لديها، وهو آخر ما يمكن أن تقدم عليه شركة تواجه هذا الموقف، وباختصار فإنها تصرفت بطريقة تشبه شخصاً مصاباً بالأنيميا الشديدة يطبق نظاماً غذائياً قاسياً لتحسين صحته.

    وعلى النقيض من ذلك، فإن الشركات القوية والمستقرة التي لا تعاني مشكلة في التمويل تسربلت بحذر وحكمة في غير موضعهما، وآثرت الانتظار والمشاهدة بدلاً من أن تطرح منتجات جديدة وتلج إلى أسواق لم تدخلها من قبل لاستغلال الفرص المتاحة.

    وما ذكرته ليس سوى غيض من فيض من الاستراتيجيات الخاطئة التي تطبقها العديد من الشركات ظناً منها أنها تبتعد عن طريق الأذى وتحمي نفسها من الركود والخسارة والإفلاس، وهي في واقع الأمر تحكم على نفسها بالجمود وتضع رقبتها في براثن الأزمة وتسد على نفسها شرايين التغذية ومسام التنفس.

    وفي اعتقادي فإن هذا الخطأ القاتل الذي وقعت فيه شركات عدة نابع من مفهوم خاطئ يقع فيه أغلب مديري الشركات الذين يتصورون أن هناك «وصفة» واحدة للعلاج تنطبق على كل المرضى بصرف النظر عن حالتهم الصحية والبيئة التي يعيشون فيها والمدخلات والمخرجات التي تحكم إيقاع عملهم، وهذا العيب بدوره نابع من عيب آخر أكثر خطورة، هو ديكتاتورية الشركات وفردية القرارات وسيطرة عقلية «كله تمام» التي تدير الأمور بطريقة إطفاء الحرائق بدلاً من منعها، وهو أسلوب يجعل العلاج أكثر خطورة من المرض!

     

    georgefahim@hotmail.com

    طباعة